برلين – المنشر_الاخباري
تتحرك ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي باتجاه تبني سياسة تجارية أكثر تشددًا تجاه الصين، مع تزايد المخاوف في برلين من اختلالات الميزان التجاري والمنافسة التي تعتبرها غير عادلة، في خطوة قد تفتح الباب أمام توسيع نطاق التعريفات الجمركية الأوروبية على المنتجات الصينية، وفقًا لما أوردته «بلومبرغ».
وبحسب التقرير، تريد برلين أن تتم أي إجراءات جديدة ضد الصين على مستوى الاتحاد الأوروبي وبالتنسيق بين الدول الأعضاء، بدلًا من اتخاذ ألمانيا خطوات منفردة قد تعرض شركاتها ومصالحها الاقتصادية لإجراءات انتقامية من بكين.
وتعكس هذه المقاربة تحولًا في موقف ألمانيا تجاه الصين، إذ تحاول برلين الجمع بين حماية صناعتها المحلية والضغط على بكين لتغيير بعض ممارساتها التجارية، مع تجنب الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة قد تكون مكلفة للاقتصاد الألماني.
وتبرز أهمية الموقف الألماني من حقيقة أن الصين تعد من أهم الشركاء التجاريين لألمانيا، كما تعتمد شركات ألمانية كبرى بصورة كبيرة على السوق الصينية، سواء من خلال المبيعات أو سلاسل الإمداد أو الاستثمارات. ويجعل ذلك أي تصعيد تجاري مع بكين قرارًا حساسًا بالنسبة إلى برلين.
مخاوف من المنافسة الصينية
تزايدت خلال السنوات الأخيرة المخاوف الأوروبية بشأن تدفق المنتجات الصينية إلى الأسواق الأوروبية بأسعار منخفضة، خصوصًا في قطاعات استراتيجية، وسط اتهامات للصين بتقديم دعم واسع لبعض الصناعات المحلية، الأمر الذي يمنح الشركات الصينية، وفق منتقدي هذه السياسات، ميزة تنافسية أمام المنتجين الأوروبيين.
وترى برلين أن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى تحرك جماعي من جانب الاتحاد الأوروبي، بما يمنح الدول الأعضاء قدرة أكبر على التفاوض مع بكين ويقلل مخاطر تعرض دولة بعينها لضغوط اقتصادية أو تجارية مباشرة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تعمل فيه بروكسل على إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية مع الصين، مع التركيز على مفهوم «تقليل المخاطر» بدلًا من قطع العلاقات التجارية. ويهدف هذا النهج إلى الحد من الاعتماد المفرط على الصين في القطاعات الحساسة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، مع الإبقاء على قنوات التجارة والاستثمار مفتوحة.
برلين بين الصناعة والسوق الصينية
لكن تشديد السياسة الأوروبية تجاه بكين يضع ألمانيا أمام معادلة معقدة، إذ تخشى قطاعات صناعية ألمانية من أن تؤدي التعريفات الجمركية الواسعة إلى زيادة تكاليف الإنتاج أو دفع الصين إلى الرد بإجراءات مماثلة تستهدف الصادرات الأوروبية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة إلى شركات السيارات والآلات والمعدات والصناعات الكيميائية، التي تمتلك مصالح واسعة في الصين وتعتمد على السوق الآسيوية بدرجات متفاوتة.
ولهذا السبب، تبدو برلين حريصة على أن تكون أي إجراءات تجارية جديدة مدروسة ومحددة، بدلًا من تبني سياسة تصعيدية شاملة قد تؤدي إلى حرب تجارية بين أكبر اقتصاد في أوروبا وثاني أكبر اقتصاد في العالم.
اختبار جديد للعلاقات الأوروبية الصينية
ومن شأن الموقف الألماني أن يضيف زخمًا إلى النقاش داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية مع الصين، خصوصًا في ظل اختلاف مصالح الدول الأعضاء. فبينما ترى بعض الحكومات أن تشديد الإجراءات ضروري لحماية الصناعة الأوروبية، تخشى دول أخرى من أن يؤدي التصعيد إلى خسارة أسواق مهمة أو الإضرار بالاستثمارات والتجارة.
ويشير التحرك الألماني إلى أن برلين لم تعد تنظر إلى العلاقة مع الصين باعتبارها ملفًا اقتصاديًا بحتًا، بل أصبحت تربطها بصورة أكبر بقضايا الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية الأوروبية وحماية الصناعات الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن نجاح ألمانيا في دفع الاتحاد الأوروبي نحو سياسة أكثر صرامة سيعتمد على قدرتها على إقناع شركائها بأن تشديد الإجراءات التجارية لن يتحول إلى مواجهة مفتوحة مع بكين.
وفي حال اتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض تعريفات أوسع، فقد تواجه الشركات الصينية قيودًا إضافية للوصول إلى السوق الأوروبية، بينما قد ترد بكين بإجراءات مضادة تستهدف قطاعات أوروبية رئيسية.
وبذلك تقف ألمانيا أمام اختبار صعب: تشديد الضغط على الصين لحماية المصالح التجارية الأوروبية، مع تجنب خطوة قد ترتد على الصناعة الألمانية نفسها، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الصينية.










