لندن – المنشر_الاخباري
تتحرك بريطانيا في الفترة الأخيرة نحو تشديد لهجتها السياسية تجاه إسرائيل، عبر إجراءات تستهدف أنشطة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحول يعكس ضغوطًا سياسية متزايدة داخل المملكة المتحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يصل إلى حد القطيعة أو إعادة صياغة العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وتكشف الخطوات البريطانية الأخيرة عن معادلة دقيقة تحاول حكومة رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام الحفاظ عليها، تقوم على إظهار قدر أكبر من الاستقلالية في التعامل مع الحرب في غزة وسياسات الاستيطان في الضفة الغربية، مع تجنب اتخاذ إجراءات يمكن أن تؤدي إلى صدام مباشر مع واشنطن أو تهدد التعاون العسكري والأمني القائم مع إسرائيل.
ويبدو أن لندن تسعى إلى تحقيق توازن بين رسائل سياسية موجهة إلى الرأي العام البريطاني، الذي يشهد تناميًا في الانتقادات للحرب الإسرائيلية على غزة، وبين اعتبارات استراتيجية أوسع تتعلق بالعلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة وموقع بريطانيا داخل المنظومة الأمنية الغربية.
عقوبات تستهدف المستوطنات
في إطار هذا التوجه، أعلنت الحكومة البريطانية إجراءات تتعلق بالشركات البريطانية والاستثمارات المرتبطة بمشروعات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب فرض قيود على استيراد منتجات المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتقدم الحكومة هذه الخطوات باعتبارها محاولة للتمييز بين إسرائيل داخل حدودها المعترف بها دوليًا وبين الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة، في محاولة للجمع بين موقف سياسي أكثر تشددًا تجاه الاستيطان والحفاظ في الوقت ذاته على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل.
وتكتسب المستوطنات أهمية خاصة في السياسة البريطانية، باعتبار أن المملكة المتحدة لطالما أكدت عدم شرعيتها بموجب القانون الدولي، كما أن التوسع الاستيطاني يمثل أحد أبرز الملفات التي تثير انتقادات أوروبية متزايدة.
غير أن طبيعة الإجراءات البريطانية تثير تساؤلات حول مدى قدرتها على إحداث تأثير فعلي، خصوصًا إذا ظلت محصورة في نطاق الاستثمارات والتجارة المرتبطة بالمستوطنات دون أن تمتد إلى العلاقات العسكرية والاستخباراتية الأوسع.
بين اللهجة السياسية والممارسة العملية
المشكلة الرئيسية التي تواجه الحكومة البريطانية تتمثل في الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية.
ففي الوقت الذي ترفع فيه لندن مستوى انتقاداتها لبعض السياسات الإسرائيلية، تستمر أشكال متعددة من التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي بين البلدين، كما تستمر العلاقة الوثيقة بين بريطانيا والولايات المتحدة في المجالات الدفاعية والاستخباراتية.
وهذا التناقض يجعل الإجراءات الاقتصادية والسياسية الجديدة تبدو، بالنسبة إلى منتقدي الحكومة، محدودة التأثير مقارنة بحجم الدعم العسكري والأمني الذي تقدمه بريطانيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن المنظومة الغربية.
وتتركز الأنظار بصورة خاصة على استخدام القواعد العسكرية البريطانية في دعم عمليات النقل والإمداد المرتبطة بالمنطقة، إضافة إلى الرحلات العسكرية التي تمر عبر منشآت بريطانية.
وتثير هذه الأنشطة تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على فرض سياسة أكثر استقلالًا تجاه إسرائيل، في وقت تستمر فيه البنية العسكرية البريطانية في العمل ضمن شبكة تعاون وثيقة مع القوات الأمريكية.
القواعد البريطانية ودور الولايات المتحدة
تتمتع الولايات المتحدة وبريطانيا بعلاقة عسكرية واستخباراتية شديدة الترابط، تمتد لعقود وتشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في العمليات العسكرية واستخدام القواعد والمنشآت.
وتوجد قواعد أمريكية مهمة داخل الأراضي البريطانية، كما تعتمد القوات الأمريكية على عدد من المنشآت البريطانية في أوروبا والشرق الأوسط لدعم عملياتها اللوجستية والعسكرية.
وفي هذا السياق، فإن أي قرار بريطاني بوقف أو تقييد استخدام هذه المنشآت في عمليات مرتبطة بإسرائيل أو المنطقة لن يكون مجرد قرار سياسي يتعلق بالعلاقات مع تل أبيب، بل قد يحمل تداعيات مباشرة على التعاون البريطاني الأمريكي.
وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط التوازن حساسية أمام حكومة لندن، إذ إن اتخاذ خطوات واسعة ضد إسرائيل قد يعني الدخول في خلاف مع واشنطن، خصوصًا في ظل استمرار اعتبار العلاقة البريطانية الأمريكية إحدى ركائز السياسة الخارجية والدفاعية البريطانية.
العلاقة الخاصة مع واشنطن
منذ عقود، شكلت ما يعرف بـ«العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن عنصرًا أساسيًا في الحسابات الاستراتيجية البريطانية.
ورغم اختلاف الحكومات البريطانية المتعاقبة مع الإدارات الأمريكية في عدد من الملفات، فإن التعاون العسكري والاستخباراتي ظل إلى حد كبير بعيدًا عن الخلافات السياسية اليومية.
وتزداد أهمية هذا العامل عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي تتمتع بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة.
وبالتالي فإن الضغط البريطاني على إسرائيل لا يُنظر إليه في واشنطن باعتباره مجرد قرار تجاري أو دبلوماسي منفصل، بل يمكن أن يُفسر على أنه اختبار لمدى استعداد لندن للابتعاد عن الموقف الأمريكي.
ولهذا تحاول الحكومة البريطانية، وفق قراءة سياسية للخطوات الأخيرة، أن تتحرك ضمن مساحة تسمح لها بانتقاد بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية دون تجاوز الخطوط التي قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى التعامل مع لندن باعتبارها شريكًا يبتعد عن الموقف الغربي المشترك.
لماذا تبدو العقوبات محدودة؟
تتمثل إحدى أبرز سمات الإجراءات البريطانية في تركيزها على المستوطنات والمشروعات المرتبطة بها، بدلًا من استهداف الاقتصاد الإسرائيلي بصورة عامة.
وهذا التفريق له دلالته السياسية.
فالحكومة البريطانية تستطيع تقديم العقوبات باعتبارها رسالة واضحة ضد الاستيطان، بينما تتجنب في الوقت نفسه فرض عقوبات شاملة على إسرائيل أو استهداف القطاعات الاقتصادية والعسكرية التي ترتبط بها مصالح بريطانية وأمريكية.
كما أن القيود المفروضة على منتجات المستوطنات ليست جديدة بالكامل من حيث المبدأ، إذ توجد منذ سنوات قواعد تجارية تميز بين المنتجات القادمة من إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات.
لكن التحدي الأكبر يكمن في التطبيق.
فإذا لم تكن هناك آليات فعالة للتأكد من مصدر المنتجات، فقد يصبح من السهل إعادة تصنيف بعض السلع أو إدخالها إلى الأسواق عبر قنوات تجارية مختلفة، وهو ما يحد من التأثير الحقيقي للعقوبات.
اختبار حقيقي للحكومة البريطانية
تواجه حكومة بيرنهام اختبارًا سياسيًا متزايدًا بشأن مدى استعدادها لتحويل خطابها الجديد إلى سياسات عملية.
فمن ناحية، هناك ضغوط داخلية قوية من قطاعات سياسية وشعبية تطالب بموقف أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، خصوصًا على خلفية الحرب في غزة والاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.
ومن ناحية أخرى، توجد اعتبارات استراتيجية تمنع لندن من التحرك بسهولة نحو مواجهة شاملة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
وهذا الوضع يفسر إلى حد كبير طبيعة الإجراءات الحالية، التي يمكن وصفها بأنها محاولة لرفع تكلفة بعض السياسات الإسرائيلية، دون الانتقال إلى مرحلة العقوبات الشاملة أو قطع العلاقات العسكرية والاستخباراتية.
غزة في قلب الجدل
تظل الحرب في غزة العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل النقاش البريطاني حول إسرائيل.
فخلال الفترة الماضية، تصاعدت الانتقادات الشعبية والسياسية للحكومة البريطانية بسبب موقفها من العمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما ارتفعت المطالبات باتخاذ خطوات أكثر صرامة، بما في ذلك فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة ووقف التعاون العسكري والاستخباراتي.
وتحاول الحكومة الاستجابة جزئيًا لهذه المطالب من خلال تبني لغة أكثر انتقادًا تجاه إسرائيل، مع الحفاظ على قنوات الاتصال والتعاون الأساسية.
لكن هذه السياسة تواجه انتقادات من اتجاهين متناقضين؛ فالمؤيدون لإسرائيل يرون أن بعض الإجراءات البريطانية تمثل انحرافًا عن موقف لندن التقليدي، بينما يعتبر منتقدو الحكومة أن ما تم اتخاذه حتى الآن لا يتناسب مع حجم الأزمة الإنسانية والسياسية في غزة.
الاستخبارات في قلب العلاقة
يعد التعاون الاستخباراتي من أكثر الملفات حساسية في العلاقات البريطانية الإسرائيلية.
فخلال السنوات الماضية، شاركت بريطانيا في عمليات مراقبة وجمع معلومات استخباراتية مرتبطة بالمنطقة، بما في ذلك أنشطة جوية مرتبطة بمراقبة الوضع في غزة.
وتقول الانتقادات إن استمرار هذا النوع من التعاون يجعل بريطانيا طرفًا غير مباشر في العمليات العسكرية، بينما ترى الحكومة أن تبادل المعلومات يمثل جزءًا من مسؤولياتها الأمنية ومكافحة الإرهاب وحماية مواطنيها.
وهنا تظهر معضلة أخرى أمام لندن: وقف التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل قد يكون أكثر تأثيرًا من العقوبات التجارية، لكنه في الوقت ذاته قد يفتح خلافًا عميقًا مع واشنطن، التي تعتمد على شبكة استخباراتية مشتركة مع بريطانيا.
ماذا تريد واشنطن؟
تسعى الولايات المتحدة عادة إلى الحفاظ على وحدة الموقف الغربي تجاه إسرائيل، حتى عندما تظهر خلافات بين الحلفاء بشأن كيفية التعامل مع الحكومة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، فإن أي خطوات بريطانية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في التعاون العسكري أو الأمني مع إسرائيل قد تثير ردود فعل أمريكية أقوى من تلك التي تنتج عن إجراءات اقتصادية محدودة.
ولهذا يبدو أن لندن تتحرك بحذر، فتفرض إجراءات يمكن الدفاع عنها سياسيًا أمام الجمهور البريطاني، لكنها لا تمس بصورة مباشرة البنية الأساسية للتعاون مع واشنطن.
وتشير هذه المعادلة إلى أن بريطانيا لا تزال تنظر إلى العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها عنصرًا لا يمكن التضحية به بسهولة، حتى في ظل اختلاف المواقف بشأن بعض جوانب السياسة الإسرائيلية.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس نهاية الخلاف
إلى جانب ملف المستوطنات، أصبح الاعتراف بالدولة الفلسطينية جزءًا من النقاش السياسي البريطاني.
وقد حاولت الحكومة تقديم نفسها باعتبارها أكثر انفتاحًا على الحقوق الفلسطينية، إلا أن هذا التحول السياسي لا يعني بالضرورة استعداد لندن لتغيير شامل في علاقاتها مع إسرائيل.
فالاعتراف السياسي، حتى لو تم، لا يؤدي تلقائيًا إلى وقف التعاون العسكري أو الاستخباراتي، ولا يعني فرض عقوبات اقتصادية شاملة.
ولهذا يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الحكومة ستنتقل من الخطوات الرمزية والسياسية إلى إجراءات يمكن أن تغير حسابات إسرائيل على الأرض.
التجارة كأداة ضغط
تمثل التجارة واحدة من الأدوات التي تستطيع بريطانيا استخدامها دون الدخول مباشرة في مواجهة عسكرية أو أمنية مع إسرائيل.
لكن حجم التأثير المحتمل لهذه الإجراءات يعتمد على مدى اتساعها وطريقة تطبيقها.
ففرض قيود على منتجات المستوطنات قد يوجه رسالة سياسية مهمة، لكنه لا يرقى إلى مستوى العقوبات التي يمكن أن تؤثر في الاقتصاد الإسرائيلي ككل.
أما فرض قيود على قطاعات أوسع، فقد يحمل تكلفة سياسية واقتصادية أكبر على بريطانيا نفسها، ويضع الحكومة أمام مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة.
لذلك يبدو أن لندن تفضل حاليًا استخدام العقوبات الاقتصادية بصورة انتقائية، بحيث تستهدف ملفًا محددًا هو الاستيطان، بدلًا من تحويلها إلى سياسة عامة تجاه إسرائيل.
هل يمكن أن تتغير السياسة البريطانية؟
يبقى احتمال تشديد السياسة البريطانية قائمًا، خصوصًا إذا استمرت الحرب في غزة وتصاعدت الضغوط الداخلية.
وقد تؤدي تطورات ميدانية جديدة أو ضغوط قانونية دولية أو تغير المزاج الشعبي إلى دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات إضافية.
لكن الانتقال إلى سياسة تقوم على وقف التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل سيظل أكثر صعوبة.
فالقرار لن يتعلق بالعلاقات الثنائية مع تل أبيب فقط، وإنما سيمس شبكة أوسع من التحالفات العسكرية والاستخباراتية، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة.
ولهذا فإن أي تحول جذري سيحتاج إلى إعادة تقييم شاملة لموقع بريطانيا داخل المنظومة الأمنية الغربية.
بريطانيا أمام معادلة صعبة
تكشف التطورات الحالية أن الحكومة البريطانية تحاول السير في مسار ضيق بين ثلاثة ضغوط رئيسية.
الأول يتمثل في الضغط الداخلي المتزايد من الرأي العام والأحزاب والمنظمات الحقوقية المطالبة بسياسة أكثر حزمًا تجاه إسرائيل.
والثاني هو الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع إسرائيل.
أما الثالث فيتمثل في تجنب إغضاب الولايات المتحدة، التي تشكل الشريك العسكري والاستراتيجي الأهم لبريطانيا.
ومن هنا تأتي طبيعة العقوبات الحالية: إجراءات يمكن للحكومة تقديمها باعتبارها تحولًا في السياسة، لكنها في الوقت ذاته لا تصل إلى مستوى يهدد البنية الأساسية للعلاقات مع إسرائيل أو واشنطن.
من العقوبات الرمزية إلى التأثير الحقيقي
يبقى الاختبار الأهم أمام بريطانيا هو ما إذا كانت العقوبات الحالية ستتحول إلى سياسة ضغط حقيقية أم ستظل في إطار الرسائل السياسية.
فإذا توسعت الإجراءات لتشمل الشركات المتورطة بصورة مباشرة في مشروعات المستوطنات، وشُددت الرقابة على الواردات، وأصبحت هناك آليات أكثر صرامة لمنع التحايل التجاري، فقد يكون لها تأثير أكبر.
أما إذا بقيت الإجراءات محدودة وغير مصحوبة بخطوات في المجال العسكري والاستخباراتي، فمن المرجح أن يواصل منتقدو الحكومة وصفها بأنها رمزية أكثر منها عملية.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن العقوبات لا تقاس فقط بإعلانها، وإنما بقدرتها على تغيير سلوك الطرف المستهدف.
واشنطن تظل العامل الحاسم
في النهاية، يبدو أن العامل الأمريكي سيظل حاضرًا بقوة في أي قرار بريطاني يتعلق بإسرائيل.
فبريطانيا تستطيع اتخاذ إجراءات مستقلة في ملفات تجارية أو دبلوماسية محددة، لكنها ستجد صعوبة أكبر في اتخاذ خطوات تمس التعاون العسكري والاستخباراتي الذي يجمعها بواشنطن وتل أبيب.
ولهذا فإن التحول الحقيقي في السياسة البريطانية لن يقاس فقط بعدد العقوبات التي تفرضها لندن، وإنما بمدى استعدادها لإعادة النظر في التعاون العملي الذي يجعلها جزءًا من المنظومة الغربية الداعمة لإسرائيل.
وإذا استمرت الحكومة في الفصل بين العقوبات الاقتصادية المحدودة والتعاون العسكري والأمني، فستظل سياستها قائمة على معادلة «الضغط دون القطيعة».
أما إذا قررت الذهاب أبعد من ذلك، فإنها ستواجه اختبارًا أكبر بكثير، ليس مع إسرائيل وحدها، بل مع الولايات المتحدة أيضًا.
وفي ضوء هذه الحسابات، تبدو السياسة البريطانية الحالية أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل وليس إنهائها، وإلى إرسال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج دون فتح مواجهة استراتيجية مع واشنطن.
وبذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الموقف البريطاني لن يكون ما إذا كانت لندن ستفرض مزيدًا من العقوبات، بل ما إذا كانت مستعدة لاستخدام أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية بصورة متكاملة، حتى لو أدى ذلك إلى خلاف حقيقي مع الولايات المتحدة.
حتى الآن، تشير الخطوات المتخذة إلى أن الحكومة البريطانية تفضل طريقًا أكثر حذرًا: عقوبات محددة، وانتقادات سياسية متزايدة، مع إبقاء قنوات التعاون الأساسية مفتوحة.
وهو توازن قد يسمح للندن بتقديم نفسها أمام جمهورها الداخلي باعتبارها أكثر تشددًا تجاه سياسات الاستيطان والحرب، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على الأسس الاستراتيجية التي تربط بريطانيا بإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي حال استمرت الضغوط الدولية والداخلية، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الاكتفاء بالخطوات الرمزية أو الانتقال إلى إجراءات أكثر تأثيرًا.
وهنا تحديدًا سيكون مستقبل السياسة البريطانية تجاه إسرائيل أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع لندن أن تكون أكثر استقلالًا في الشرق الأوسط، أم أن حدود تحركها ستظل مرسومة إلى حد كبير باعتبارات التحالف مع واشنطن؟










