واشنطن-المنشر_الاخباري
يدرس البنتاغون خفضًا كبيرًا في حجم القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، ضمن مراجعة شاملة قد تقود إلى سحب ما لا يقل عن 25 ألف جندي، مع احتمال ارتفاع العدد إلى نحو 40 ألفًا، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في القارة وإثارة تساؤلات داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» بشأن مستقبل الدور الأمريكي في الدفاع عن أوروبا.
وتشمل المراجعة، التي أطلقها البنتاغون في يونيو وتستمر لمدة ستة أشهر، نحو 80 ألف جندي أمريكي منتشرين في أوروبا، مع بحث خيارات تتعلق بالقوات البرية والجوية والبحرية، إلى جانب إمكانية إعادة تمركز بعض الوحدات باتجاه الجناح الشرقي للناتو. ولا يزال أي خفض نهائي للقوات قيد الدراسة ولم يصدر قرار نهائي بشأنه.
وبحسب تقارير نقلت عن مسؤولين أمريكيين وغربيين مطلعين على المداولات، فإن ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا من بين الدول الأكثر عرضة للتأثر بالخطة، نظرًا إلى استضافتها أعدادًا كبيرة من القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية. ويأتي ذلك في وقت تعيد فيه واشنطن تقييم حجم انتشارها العسكري في أوروبا ومدى ملاءمته لأولويات الأمن القومي الأمريكي.
40 ألف جندي.. سيناريو مطروح
وتشير التقارير إلى أن السيناريو الأساسي الذي تتم مناقشته يتضمن سحب نحو 25 ألف جندي، وهو ما يعادل قرابة ثلث القوات الأمريكية الموجودة حاليًا في أوروبا، فيما يمكن أن يصل الخفض في أحد السيناريوهات إلى 40 ألف جندي.
ووفقًا لوثائق اطلعت عليها رويترز، من المقرر أن يضع البنتاغون عدة خيارات أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث، تشمل مستويات مختلفة من القوات والانتشار والقواعد، على أن تقدم توصيات رئيسية بحلول 6 نوفمبر، قبل استكمال المراجعة بصورة نهائية.
ومن المتوقع أن يقدم الجنرال أليكسوس غرينكويتش، قائد القيادة الأمريكية في أوروبا والقائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، تقييمًا أوليًا لهيغسيث، يتضمن الخيارات المتاحة بشأن القوات الجوية والبحرية والبرية، إضافة إلى احتمال نقل بعض القوات من أوروبا الغربية إلى مناطق أقرب إلى الجناح الشرقي للحلف.
ألمانيا في قلب الخطة
وتبرز ألمانيا بشكل خاص في حسابات المراجعة الأمريكية، باعتبارها واحدة من أكبر مراكز الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إلى جانب إيطاليا وإسبانيا.
وكانت واشنطن قد أعلنت بالفعل عن خطط لنقل نحو 5 آلاف عسكري من ألمانيا، في وقت يجري فيه تقييم أوسع لحجم القوات والمنشآت والقدرات التي تحتاجها الولايات المتحدة على الأراضي الأوروبية. كما تشمل المراجعة قدرات جوية وبحرية وبرية، وليس فقط أعداد الجنود.
وتستضيف إيطاليا وإسبانيا أيضًا منشآت وقواعد أمريكية مهمة تستخدم في العمليات والتدريبات والدعم اللوجستي، ما يجعل أي خفض واسع النطاق مؤثرًا في طبيعة الانتشار الأمريكي داخل القارة.
لماذا تريد واشنطن تقليص وجودها؟
تأتي المراجعة في إطار توجه إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى دفع الدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها التقليدي، بينما تعيد الولايات المتحدة توجيه جزء من مواردها العسكرية نحو مناطق أخرى.
وتقول إدارة ترمب إن أوروبا يجب أن تضطلع بدور أكبر في توفير قدراتها الدفاعية، وهو توجه انعكس في استراتيجية الدفاع الأمريكية وخطط إعادة توزيع الموارد العسكرية. وأكد البنتاغون أن المراجعة تهدف إلى تحديد مستوى القوات والانتشار الذي يتوافق مع المصالح الأمنية الأمريكية.
لكن أي خفض سريع وكبير قد يفرض ضغوطًا إضافية على الجيوش الأوروبية، التي تعمل بالفعل على زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع قدراتها العسكرية.
وأظهر تقييم حديث للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن القوات الأوروبية لا تزال تواجه فجوات في مجالات عدة، بينها الأفراد والمدفعية والدفاع الجوي ومخزونات الذخيرة، ما يعني أن تعويض بعض القدرات الأمريكية قد يستغرق سنوات.
مخاوف داخل الناتو
وأثارت احتمالات تقليص القوات الأمريكية مخاوف لدى مسؤولين أوروبيين وبعض أعضاء الكونغرس، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وتزايد المخاوف بشأن القدرات الروسية والتهديدات الهجينة.
ويرى منتقدو الخفض المحتمل أن تقليص القوات الأمريكية قبل اكتمال بناء القدرات الأوروبية قد يخلق فجوات في مجالات حيوية، بينها المراقبة البحرية، والنقل العسكري، والدعم اللوجستي، وإعادة نشر القوات في حالات الطوارئ.
وتشير تحليلات عسكرية إلى أن القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا تلعب دورًا مهمًا في شبكات الإمداد والنقل التي تسمح للحلف بإرسال وتعزيز القوات على الجناح الشرقي، بينما قد تواجه الجيوش الأوروبية صعوبة في تعويض بعض هذه القدرات بسرعة.
خلافات حول طريقة المراجعة
وفي واشنطن، لم تخلُ عملية المراجعة من خلافات بشأن آلية اتخاذ القرار. فقد دعت السيناتورة الديمقراطية جين شاهين وزير الخارجية ماركو روبيو إلى ضمان مشاركة الدبلوماسيين الأمريكيين في الدول المتأثرة بالمراجعة، معتبرة أن أي تغيير في الانتشار العسكري يمكن أن ينعكس على العلاقات مع الحلفاء.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن مسؤوليها ودبلوماسييها مشاركون في العملية، بينما يقود البنتاغون المراجعة بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وبينما لا يزال سحب 40 ألف جندي مجرد سيناريو قيد الدراسة، فإن طرحه يعكس حجم التغيير المحتمل في السياسة العسكرية الأمريكية تجاه أوروبا. فالقرار النهائي قد يتراوح بين خفض محدود وإعادة تمركز للقوات، أو تقليص أكبر للوجود الأمريكي، بحسب نتائج المراجعة التي يواصل البنتاغون إعدادها.
وفي حال تنفيذ خفض واسع، ستكون ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا بين أكثر الدول الأوروبية تأثرًا، فيما ستواجه دول الناتو تحدي سد أي فجوات في القدرات التي توفرها القوات الأمريكية حاليًا، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى بناء قدرة دفاعية أكبر مع استمرار التوترات الأمنية في القارة.









