في الذكرى السنوية الثانية لعملية تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية المعروفة بـ”البيجر”، كشفت تقارير إسرائيلية استنادا إلى وثائق وتفاصيل جديدة، عن كواليس واحدة من أعقد عمليات جهاز الموساد ضد حزب الله اللبناني، والتي مهدت لاحقا لاغتيال أمينه العام حسن نصر الله.
وفي 17 سبتمبر 2024، وعقب إرسال رسالة مفبركة تحمل توقيع قيادة الحزب، انطلقت آلاف الانفجارات المتتالية في مختلف أنحاء لبنان وسوريا بضغطة زر واحدة، واستمرت لنحو نصف ساعة، مما أسفر عن مقتل أكثر من عشرين شخصا وإصابة نحو خمسة آلاف آخرين بجروح متفاوتة، بينهم قادة ميدانيون وسفير إيران لدى بيروت مجتبى أماني.
وبحسب التفاصيل المنشورة، بدأ التخطيط العملياتي للضربة إثر صدور أوامر من رئيس الموساد ديدي برنيا بتسريع الإنتاج بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. ونظرا لاستحالة إخفاء المواد المتفجرة داخل الأجهزة دون كشفها عبر أجهزة المسح التقليدية، أصدر برنيا قرارا استثنائيا بإنشاء خط إنتاج وتجميع سري داخل مقر الموساد نفسه.
ولتجاوز التحديات اللوجستية، أعلنت صالة الألعاب الرياضية التابعة للمقر خالية تماما، ليتم تحويلها إلى مركز أمني فائق السرية تولى فيه عناصر الموساد تجميع الأجهزة وتشبيهها بالحشوات المتفجرة بدقة متناهية، معتمدين على ابتكار تقني فريد لدائرة متفجرات مغلقة أعدها أحد التقنيين بعد توجيهات مباشرة ودعم معنوي من قيادة الجهاز.
اللحظة الفارقة: كيف أدت الهجمات إلى انهيار ثقة نصر الله وإصابته باكتئاب حاد
وعلى الصعيد القيادي، أشارت المصادر الاستخباراتية إلى أن العملية استهدفت بشكل مباشر زعزعة الاستقرار النفسي لأمين عام حزب الله حسن نصر الله؛ إذ كان عدد من مساعديه وحراسه المقربين يحملون تلك الأجهزة لتجنب المراقبة عبر الهواتف المحمولة.
وأسفرت الانفجارات التي وقعت في المحيط المباشر له عن إصابة المقربين منه بجروح مرعبة، في مشهد وثقته تقارير عائلية واستخباراتية، حيث أكد نجله جواد في تصريحات سابقة أن والده دخل في حالة اكتئاب حاد وسخط شديد عقب تلك الأحداث وعملية اغتيال فؤاد شكر، عادا نفسه مسؤولا مباشرا عن الأضرار التي لحقت بشعبه، بينما روت ابنته زينب أنه قضى وقتا طويلا يبكي تأثرا بحجم الضربة.
وتظهر القراءات الاستخباراتية أن هذه اللحظات شكلت نقطة تحول كبرى في وعي نصر الله، الذي فقد جزءا كبيرا من هالة قوته وثقته المطلقة في إدارة المعركة، وهو ما انعكس بوضوح في خطابه الأخير الذي وصف فيه التفجيرات بأنها “ضربة أمنية قاسية وغير مسبوقة”.
ومهدت هذه الصدمة الميدانية والنفسية العميقة الطريق أمام الخطوات اللاحقة التي أودت بحياته في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، لتبقى عملية البيجر واحدة من أشد العمليات الاستخباراتية تعقيدا وتأثيرا في تاريخ الصراع.










