نيويورك- المنشر_الاخباري
تصاعدت الخلافات الدبلوماسية بشأن الحرب في السودان داخل أروقة الأمم المتحدة، بعدما أثار قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم منح قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، استياء عدد من حلفاء واشنطن، وعلى رأسهم السعودية، وفق تقرير نشرته مجلة أفريقيا ريبورت The Africa Report في 23 سبتمبر 2026.
ويأتي هذا التطور في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون والدوليون الدفع نحو إنهاء الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023، والتي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.
وبحسب التقرير، فإن تشدد إدارة ترامب تجاه القيادة السودانية بدأ ينعكس على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب، في ظل مخاوف من أن يؤدي الخلاف بين واشنطن وبعض حلفائها الإقليميين إلى إضعاف التنسيق داخل المسار الدولي الخاص بالسودان.
أزمة بسبب تأشيرة البرهان
كان قرار واشنطن عدم منح البرهان تأشيرة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة من أبرز التطورات التي أثارت الجدل خلال الاجتماعات الدولية في نيويورك.
وتنظر الخرطوم إلى البرهان باعتباره قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، في حين تتعامل الولايات المتحدة مع الأزمة السودانية من خلال مجموعة من الأدوات السياسية والدبلوماسية، إلى جانب العقوبات والضغوط على الأطراف المتحاربة.
ويشير تقرير «The Africa Report» إلى أن قرار منع البرهان من السفر إلى نيويورك لم يثير استياء القيادة السودانية فقط، وإنما تسبب أيضًا في توتر مع بعض حلفاء واشنطن الذين يشاركون في جهود الوساطة.
وتكتسب القضية أهمية إضافية بسبب انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تمثل منصة رئيسية لعقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف بشأن الأزمات الدولية.
السعودية تلوح بالانسحاب من «الرباعية»
وبحسب التقرير، هددت السعودية بإمكانية الانسحاب من المجموعة الرباعية التي تعمل على الملف السوداني، في ظل الخلاف حول النهج الأمريكي تجاه القيادة السودانية.
وتضم الرباعية الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وهي مجموعة تضم قوى إقليمية ودولية ذات نفوذ في الملف السوداني.
وتحظى السعودية بأهمية خاصة في جهود الوساطة، بعدما استضافت مدينة جدة في مراحل سابقة محادثات بين ممثلين عن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
ومن شأن انسحاب الرياض من أي مسار رباعي أن يثير تساؤلات حول مستقبل التنسيق بين القوى المشاركة في جهود إنهاء الحرب، خصوصًا أن لكل دولة من أعضاء المجموعة علاقات ومصالح مختلفة داخل السودان والمنطقة.
حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام
اندلعت الحرب السودانية في أبريل 2023 بعد أشهر من التوتر بين الجيش وقوات الدعم السريع، في أعقاب خلافات حول ترتيبات الانتقال السياسي ودمج القوات شبه العسكرية في الجيش.
وسرعان ما تحولت المواجهات إلى حرب واسعة النطاق امتدت إلى مناطق مختلفة من البلاد، وتسببت في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح ملايين الأشخاص.
كما أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية، وأصبحت الأزمة الإنسانية في السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وتواجه منظمات الإغاثة صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق المتضررة، بينما أدى استمرار القتال إلى تفاقم أزمة الغذاء وانتشار الأمراض وارتفاع أعداد النازحين واللاجئين.
البرهان وحميدتي في قلب الصراع
يقود عبد الفتاح البرهان القوات المسلحة السودانية، بينما يقود محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، قوات الدعم السريع.
وكان الطرفان جزءًا من ترتيبات الحكم الانتقالي بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، لكن الخلافات بشأن تقاسم السلطة وإعادة هيكلة الأجهزة العسكرية أدت إلى تدهور العلاقات بينهما.
وانفجر الخلاف في أبريل 2023 في شكل مواجهات مسلحة واسعة، سرعان ما امتدت إلى العاصمة الخرطوم ومدن أخرى.
ومنذ ذلك الحين، فشلت عدة مبادرات لوقف إطلاق النار في تحقيق تسوية دائمة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتباين مواقف الطرفين بشأن مستقبل الدولة السودانية وترتيبات الحكم والجيش.
واشنطن أمام معادلة معقدة
تحاول الإدارة الأمريكية الضغط من أجل وقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية، لكنها تواجه في الوقت نفسه معضلة تتعلق بكيفية التعامل مع طرفي الصراع.
فواشنطن فرضت خلال الفترة الماضية عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالحرب، كما شاركت في جهود دبلوماسية تهدف إلى وقف القتال وتحسين وصول المساعدات الإنسانية.
لكن العلاقة مع القيادة العسكرية السودانية ظلت حساسة، في ظل الخلافات بشأن الانتقال السياسي والحكم المدني ومستقبل القوات المسلحة.
وقد يُنظر إلى قرار منع البرهان من دخول الولايات المتحدة باعتباره رسالة سياسية من واشنطن، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص قنوات التواصل المباشر بين الإدارة الأمريكية والقيادة العسكرية السودانية.
لماذا تمثل السعودية طرفًا مهمًا؟
تمتلك السعودية نفوذًا مهمًا في الملف السوداني بسبب علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية، فضلًا عن موقعها الجغرافي المقابل للسودان عبر البحر الأحمر.
كما أن الرياض استضافت في السابق محادثات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما جعلها طرفًا أساسيًا في جهود الوساطة.
ويمثل استقرار السودان أهمية خاصة للسعودية ودول المنطقة بسبب موقعه على البحر الأحمر، وقربه من طرق التجارة والطاقة الدولية، إضافة إلى ارتباط أمنه بالاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
ولهذا فإن أي توتر بين واشنطن والرياض بشأن الملف السوداني يمكن أن ينعكس على الجهود الدبلوماسية المشتركة.
الأمم المتحدة تواجه تحديات متزايدة
يتزامن الخلاف الدبلوماسي مع استمرار الأزمة الإنسانية داخل السودان، حيث يحتاج ملايين المدنيين إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمساعدات الطارئة.
وتواجه المنظمات الدولية صعوبات في الوصول إلى المناطق التي تشهد القتال، كما أدى استمرار الحرب إلى موجات نزوح ضخمة داخل البلاد وخارجها.
وتحتاج الأمم المتحدة إلى تعاون القوى الإقليمية والدولية من أجل فتح ممرات آمنة للمساعدات ودعم جهود وقف إطلاق النار، الأمر الذي يجعل أي انقسام بين الأطراف الرئيسية المنخرطة في الوساطة تحديًا إضافيًا.
مستقبل «الرباعية» على المحك
ويضع التطور الأخير مستقبل المجموعة الرباعية أمام اختبار مهم، خصوصًا إذا استمرت الخلافات بين واشنطن والرياض بشأن كيفية التعامل مع القيادة السودانية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى استخدام الضغوط السياسية والدبلوماسية لدفع الأطراف نحو تسوية، بينما تحافظ السعودية ومصر والإمارات على علاقات ومصالح مباشرة مع الأطراف السودانية.
وفي ظل استمرار الحرب، فإن الحفاظ على تنسيق إقليمي ودولي واسع قد يكون عاملًا مهمًا في أي محاولة لإعادة الأطراف السودانية إلى طاولة المفاوضات.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت السعودية ستتخذ بالفعل خطوة الانسحاب من المجموعة الرباعية، أو ما إذا كانت الاتصالات الدبلوماسية ستنجح في احتواء الخلاف.
وفي الوقت نفسه، يبقى إنهاء الحرب السودانية مرتبطًا بصورة أساسية بقدرة الجيش وقوات الدعم السريع على التوصل إلى ترتيبات لوقف القتال والعودة إلى مسار سياسي.
وتكشف أزمة تأشيرة البرهان في نيويورك عن حجم التباين بين القوى المنخرطة في الملف السوداني، في وقت تحتاج فيه جهود الوساطة إلى تنسيق واسع بين الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات والأمم المتحدة.
ومع استمرار القتال وتفاقم الأزمة الإنسانية، ستظل قدرة هذه الأطراف على تجاوز خلافاتها والحفاظ على مسار تفاوضي مشترك عنصرًا أساسيًا في أي جهود مستقبلية لإنهاء الحرب.










