لندن – المنشر_الاخباري
أثار تراجع الولايات المتحدة عن الانخراط عسكريًا بشكل مباشر في مواجهة جماعة الحوثيين، رغم طلب سعودي الحصول على دعم أمريكي أوسع، تساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات التي جرت بين واشنطن والجماعة اليمنية خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما اجتماع سري قيل إنه عقد في العاصمة العُمانية مسقط.
وبحسب المعلومات التي أوردتها تقارير إعلامية، عقد مسؤولون أمريكيون لقاءً في مسقط مع شخصيات بارزة من جماعة الحوثيين، في اجتماع جرى بوساطة عُمانية، وتركزت المباحثات على خفض التصعيد وتجنب استهداف السفن والمصالح الأمريكية.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة في ظل التصعيد المتواصل في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب تعرض الأراضي والمنشآت السعودية لهجمات نسبت إلى الحوثيين.
اجتماع في مسقط
وفق التقارير المتداولة، جرى الاجتماع في 13 سبتمبر بالعاصمة العُمانية، وشارك فيه مسؤولون أمريكيون إلى جانب شخصيات حوثية، من بينها محمد عبدالسلام وعبدالملك العجري، فيما لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط في الاتصالات.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المحادثات تناولت إمكانية وضع ترتيبات تمنع استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، مقابل تفاهمات تتعلق بالموقف العسكري الأمريكي تجاه الحوثيين.
غير أن تفاصيل ما جرى في الاجتماع لا تزال محدودة، كما أن الحديث عن وجود اتفاق ملزم أو «ضمانات» أمريكية للحوثيين لم يصدر بشأنه، وفق المعلومات المتاحة، إعلان رسمي مفصل من واشنطن أو صنعاء.
وتأتي هذه الاتصالات في إطار تاريخ طويل من استخدام مسقط كقناة دبلوماسية للتواصل غير المباشر بين أطراف متخاصمة في المنطقة.
واشنطن ترفض التدخل المباشر
في الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يلتزم بتنفيذ ضربات عسكرية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، رغم طلب سعودي بهذا الشأن.
وبدلًا من التدخل العسكري المباشر، ركز الدعم الأمريكي للسعودية على تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، بحسب ما أوردته تقارير عن الموقف الأمريكي.
ويعكس هذا النهج رغبة واشنطن في دعم الرياض من دون الانخراط بالضرورة في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الحوثيين، خصوصًا في ظل تعدد الأزمات الأمنية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وتخشى الولايات المتحدة أن يؤدي فتح مواجهة مباشرة مع الحوثيين إلى توسيع نطاق الصراع، خصوصًا أن الجماعة تمتلك القدرة على استهداف الملاحة البحرية والمنشآت والبنية التحتية في المنطقة.
السعودية أمام تهديد متزايد
وتأتي التطورات في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات أمنية مرتبطة بهجمات الحوثيين.
وتُعد المنشآت النفطية السعودية من بين الأهداف التي تثير قلق الرياض، بالنظر إلى أهميتها للاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة. كما أن أي هجوم واسع على البنية التحتية للطاقة قد ينعكس على أسواق النفط وأسعار الشحن والتأمين.
ويضاف إلى ذلك التهديد الذي تمثله الهجمات على السفن في البحر الأحمر ومحيط باب المندب، حيث يمكن للاضطرابات في هذه المنطقة أن تؤثر على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتعتبر السعودية أن أمن البحر الأحمر وباب المندب جزء أساسي من أمنها الوطني والاقتصادي، ولذلك تسعى إلى الحصول على دعم دولي لمواجهة التهديدات القادمة من اليمن.
باب المندب في قلب الحسابات
يتمتع باب المندب بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُستخدم في نقل كميات كبيرة من السلع والطاقة بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وقد أدت الهجمات الحوثية السابقة على السفن التجارية إلى دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، ما رفع تكاليف النقل وأطال زمن الرحلات في بعض الحالات.
ومن هنا، فإن أي تفاهم بين واشنطن والحوثيين بشأن حماية السفن الأمريكية أو خفض الهجمات البحرية يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز العلاقة بين الطرفين، لتشمل حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة.
لماذا لا تضرب واشنطن الحوثيين؟
يطرح الموقف الأمريكي سؤالًا حول الأسباب التي تدفع إدارة ترامب إلى تجنب شن عمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين رغم استمرار التهديدات.
أحد التفسيرات المطروحة يتمثل في رغبة الإدارة الأمريكية في تجنب الدخول في حرب جديدة طويلة الأمد في المنطقة، خصوصًا أن أي حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين قد تتطلب عمليات جوية متكررة وربما ترتيبات عسكرية أكثر تعقيدًا.
كما أن الحوثيين سبق أن أظهروا قدرتهم على الرد على الضربات العسكرية من خلال استهداف السفن والمنشآت والمصالح المرتبطة بخصومهم.
وبالتالي، فإن واشنطن قد ترى أن تقديم الدعم الاستخباراتي للسعودية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، يوفر وسيلة للتعامل مع التهديد دون تحمل كامل تكلفة مواجهة عسكرية مباشرة.
إسرائيل حاضرة في المشهد
ومن بين أكثر الملفات حساسية في أي تفاهم محتمل قضية السفن الإسرائيلية.
وتشير التقارير المتعلقة باجتماع مسقط إلى أن أحد محاور التفاهمات تمثل في عدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، بينما تبقى تفاصيل الموقف تجاه السفن السعودية موضع اهتمام خاص.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعكس محاولة لإيجاد ترتيبات محددة للملاحة، بدلًا من التوصل إلى تسوية شاملة للحرب في اليمن.
لكن لا توجد حتى الآن معلومات علنية كافية تسمح بتحديد مدى التزام الأطراف بهذه الترتيبات أو ما إذا كانت تمثل اتفاقًا رسميًا طويل الأمد.
هل تدفع واشنطن الرياض نحو إسرائيل؟
وفي قراءة سياسية للتطورات، ترى الباحثة كارين إليوت هاوس، المتخصصة في الشؤون السعودية، أن موقف إدارة ترامب قد يكون مرتبطًا بهدف أمريكي أوسع يتعلق بالعلاقات بين السعودية وإسرائيل.
وبحسب ما نقلته مجلة «لإكسبرس» عنها، فإن الإدارة الأمريكية قد تستخدم ملف التعاون الأمني مع السعودية ضمن مسار أوسع لدفع الرياض نحو خطوات في ملف تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
لكن هذه الرؤية تبقى تحليلًا منسوبًا إلى هاوس، ولا تعني وجود إعلان أمريكي رسمي يربط بشكل مباشر بين عدم التدخل العسكري ضد الحوثيين وبين مطالبة السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
كما أن الرياض لم تعلن، وفق المعطيات المتاحة، قبولها بأي صيغة تجعل المساعدات الأمنية الأمريكية مشروطة رسميًا باتخاذ خطوة محددة تجاه إسرائيل.
مسقط تحافظ على دور الوساطة
وتبرز سلطنة عُمان مرة أخرى كطرف قادر على توفير قناة اتصال بين أطراف لا تربطها علاقات مباشرة.
فمسقط لعبت خلال السنوات الماضية أدوارًا في تسهيل الاتصالات المتعلقة بالملف اليمني، كما استضافت مباحثات واتصالات مرتبطة بملفات إقليمية أخرى.
ومن شأن استضافة اجتماع بين مسؤولين أمريكيين وشخصيات حوثية أن تعكس استمرار هذا الدور، خصوصًا في ظل صعوبة إجراء مفاوضات مباشرة وعلنية بين واشنطن والجماعة.
معادلة أمنية جديدة
وتضع هذه التطورات السعودية أمام معادلة أمنية معقدة. فمن جهة، تواصل الرياض الاعتماد على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تواجه تهديدات مباشرة من جماعة الحوثيين التي تنشط على مقربة من حدودها الجنوبية وفي محيط طرق الملاحة الحيوية.
أما واشنطن، فتبدو حريصة على الحفاظ على دعمها للسعودية مع تجنب الالتزام بتدخل عسكري مباشر، بالتزامن مع استخدام القنوات الدبلوماسية للحد من مخاطر التصعيد.
وفي حال استمرت الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة والحوثيين، فقد تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من التفاوض حول أمن الملاحة، والهجمات على المنشآت السعودية، وترتيبات وقف التصعيد.
لكن حتى الآن، تبقى التفاصيل المتعلقة باجتماع مسقط غير مكتملة، ولا توجد معلومات علنية كافية لإثبات أن اللقاء أدى إلى اتفاق شامل أو أن هناك صفقة نهائية بين واشنطن والحوثيين.
وبين التهديدات التي تواجه السعودية، وحساسية باب المندب، وتجنب واشنطن الدخول في مواجهة مباشرة، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من المفاوضات غير المباشرة، قد تحدد نتائجها مستقبل الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر واليمن والخليج.









