شهدت تركيا تطورات دراماتيكية وغير مسبوقة على خلفية فضيحة احتيال مالي وتلاعب واسع النطاق في أسواق رأس المال بإسطنبول، حيث ارتفع عدد الموقوفين والمطلوبين قضائيا على ذمة التحقيقات إلى 51 شخصا، وسط تداعيات سياسية مدوية وصلت إلى أعلى مستويات حزب العدالة والتنمية الحاكم.
اتساع دائرة التحقيقات واعتقالات بالجملة
وفي التفاصيل الميدانية، يواصل مكتب التحقيقات في جرائم تمويل الإرهاب وغسل الأموال التابع لمكتب المدعي العام الرئيسي في إسطنبول تعقبو شبكات التلاعب المالي، حيث أصدرت السلطات أحدث مذكرات التوقيف بحق تسعة مشتبه بهم إضافيين مرتبطين بشركتي “ديستيك القابضة” (Destek Holding AŞ) و”أوزاتا دينيزجيليك” (Özata Denizcilik).
ونفذت وحدة الجرائم المالية بمديرية أمن إسطنبول مداهمات أسفرت عن ضبط سبعة أشخاص، بينما تستمر ملاحقة آخرين.
وتكشف التحقيقات عن شبكة معقدة من التلاعب المنهجي في أسواق الأوراق المالية، شملت 131 صندوقا استثماريا تابعة لسبع شركات كبرى تبلغ قيمة أصولها المجتمعة أكثر من 826 مليار ليرة تركية (ما يعادل نحو 14.8 مليار يورو). وكانت هيئة سوق رأس المال التركية قد أصدرت قرارا حاسما بتصفية كافة هذه الصناديق في 17 سبتمبر الجاري لكبح التجاوزات.
هزات سياسية واستقالات رفيعة المستوى
ولم تقتصر تداعيات الفضيحة على الجانب المالي، بل امتدت لتضرب عمق المشهد السياسي؛ فقد تقدمت فاطمة بتول سايان كايا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية، باستقالتها يوم السبت 26 سبتمبر، وسط تقارير إعلامية متسارعة حول تورط أشخاص مقربين من الدوائر الحكومية.
وازدادت القضية إثارة للرأي العام صباح الإثنين 28 سبتمبر مع انتشار نبأ صدور مذكرة توقيف بحق إسكندر بالجي، عضو مجلس إدارة شركة بناء السفن “أوزاتا دينيزجيليك”، وهو نجل مصطفى بالجي، عضو هيئة الرقابة والتنظيم المصرفي، وصهر عثمان تشيليك، نائب وزير الخزانة والمالية، مما سلط الضوء على ثغرات تنظيمية وشبهات إفلات من العقاب استفادت منها شخصيات نافذة.
مسار القضاء والتحقيقات المصرفية
وعلى الصعيد القضائي، أحيل عشرات المشتبه بهم -بمن فيهم قيادات تنفيذية ومديرو استثمار وموظفون بقطاعات المالية والبنوك والشركات القابضة- إلى محكمة إسطنبول في تشاغلايان بعد استكمال الفحوصات الطبية واستجوابهم من قبل النيابة.
وكانت النيابة العامة قد وجهت مذكرات رسمية إلى مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK) لطلب بيانات مالية مفصلة، وتتبع تحويلات العملات المشفرة والتدفقات النقدية الخارجية منذ عام 2024 لعدد من الكيانات الاستثمارية البارزة مثل مجموعات “تيرا” (Tera) و”بوسولا” (Pusula). وفي المقابل، أصدرت الجهات القضائية قرارات برفع التجميد عن أصول 45 شركة و19 صندوقا بعد تدقيق هويات مسؤوليها ومراجعة سجلاتهم المالية.








