مقديشو –المنشر_الاخباري
تحولت تركيا خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز الشركاء الخارجيين للصومال، بعدما بنت حضورًا واسعًا شمل المساعدات والتنمية والتعاون العسكري والاستثمارات، لكن هذا النفوذ يواجه اختبارًا متزايدًا مع انخراط أنقرة في الأزمة السياسية والأمنية المتصاعدة داخل البلاد.
وأثار استخدام مقاتلات تركية من طراز «إف-16» خلال المعارك الأخيرة في مدينة بيدوا جنوب الصومال، إلى جانب اتهامات للجيش التركي بتنفيذ ضربة جوية في منطقة دولو مطلع سبتمبر، جدلًا واسعًا بشأن طبيعة الدور التركي، وما إذا كانت أنقرة انتقلت من دعم مؤسسات الدولة الصومالية إلى المشاركة بصورة مباشرة في صراعاتها الداخلية.
من المساعدات إلى النفوذ العسكري
بدأ الحضور التركي في الصومال بالتركيز على المساعدات الإنسانية والتنمية، قبل أن يتوسع ليشمل التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي.
وتدير تركيا في مقديشو أكبر منشأة تدريب عسكري خارج أراضيها، حيث دربت قوات صومالية، بينها وحدات خاصة، كما قدمت معدات ومركبات وطائرات مسيرة لدعم القوات الحكومية في مواجهة حركة الشباب.
وبالتوازي، توسعت الشركات التركية في قطاعات استراتيجية، بينها تشغيل مطار وميناء مقديشو، فيما تعمل أنقرة على إنشاء منشأة لإطلاق الأقمار الصناعية والصواريخ الفضائية على الساحل الصومالي، إضافة إلى أنشطة استكشاف الطاقة قبالة السواحل.
وقد منح هذا الحضور تركيا نفوذًا يتجاوز المجال العسكري، وجعلها من أهم الشركاء الدوليين للحكومة الفيدرالية في مقديشو.
بيدوا.. نقطة التحول الجديدة
تصاعد الجدل بعد المعارك التي اندلعت في بيدوا، عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، حيث خاضت القوات الفيدرالية وقوات موالية للإدارة الإقليمية مواجهات مع مقاتلين موالين للرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين.
وقالت مصادر محلية إن آلاف المقاتلين شاركوا في الهجوم الأخير، فيما أعلنت السلطات المحلية أن القوات الحكومية تمكنت من صد الهجوم. وأفادت منظمة أطباء بلا حدود بمقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 69 آخرين، بينهم عامل صحي، مع تعرض منشأة صحية لأضرار كبيرة.
وخلال المواجهات، قالت قوات موالية لفتاغرين إن مقاتلات تركية من طراز «إف-16» نفذت ضربات صاروخية قرب بيدوا دعماً للقوات الفيدرالية. ونقلت وكالة فرانس برس عن مصادر محلية أن الطائرات التركية شاركت في العمليات، بينما لم تقدم أنقرة تأكيدًا علنيًا بأنها نفذت الضربات.
اتهامات بضربة في دولو
وفي الثالث من سبتمبر، اتهمت جهات معارضة تركيا أيضًا بالوقوف وراء غارة استهدفت منزل الجنرال ماهَد عبد الرحمن عدن، المعروف باسم «شوب»، في مدينة دولو جنوبي البلاد، وأدت إلى إصابته.
لكن الحكومة الصومالية نفت أن تكون الحادثة ناجمة عن غارة جوية، وقالت إن انفجارًا وقع داخل المنزل بسبب متفجرات كانت تُجهز بداخله. ولم تعلن تركيا رسميًا مسؤوليتها عن الحادث.
وأشعلت الواقعة احتجاجات نادرة ضد تركيا في بعض المناطق الصومالية، شهدت إحراق العلم التركي وتوجيه انتقادات للرئيس رجب طيب أردوغان، في تحول لافت مقارنة بصورة أنقرة التي حظيت لفترة طويلة بتأييد شعبي واسع بسبب مساعداتها ومشاريعها التنموية.
أزمة سياسية تعقد المشهد
ويأتي التصعيد العسكري في وقت يعيش فيه الصومال أزمة سياسية عميقة، على خلفية خلافات بين الحكومة الفيدرالية وعدد من الولايات والقوى المعارضة بشأن الإصلاحات الدستورية والانتخابات ومستقبل توزيع السلطة.
وكان الرئيس حسن شيخ محمود قد دفع باتجاه تغييرات سياسية ودستورية، من بينها تمديد فترة ولايته عامًا، وهو ما قوبل باعتراض من قوى سياسية وإدارات إقليمية.
وتقول المعارضة إن الدعم العسكري التركي للحكومة الفيدرالية قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في النزاعات السياسية الداخلية، خصوصًا إذا استخدمت الأسلحة والطائرات التي قدمتها أنقرة في مواجهات مع قوى صومالية معارضة للحكومة المركزية.
وفي المقابل، تقول أنقرة إن تعاونها العسكري مع مقديشو يستهدف إعادة بناء الجيش الصومالي وتعزيز قدرته على مكافحة الإرهاب، وتنفي أن تكون قواتها أو معداتها العسكرية موجهة للتدخل في العملية السياسية الداخلية. وأكدت الرئاسة التركية في مايو أن الاتهامات باستخدام العناصر العسكرية التركية للضغط على المعارضة الصومالية «غير صحيحة»، وأن وجودها العسكري يركز على تدريب الجيش الصومالي وتعزيز قدراته الأمنية.
تركيا: دعم الصومال وليس طرفًا سياسيًا
وتؤكد أنقرة أنها تتعامل مع الدولة الصومالية ومؤسساتها، وليس مع طرف سياسي بعينه، مشيرة إلى أن تعاونها استمر مع حكومات صومالية متعاقبة.
وقال مسؤول تركي رفيع معني بالملف الصومالي، بحسب فرانس برس، إن أنقرة موجودة في الصومال على المدى الطويل، وإن دعمها موجه إلى الشعب الصومالي والدولة، وليس إلى خط سياسي محدد. كما نقلت الوكالة عن دبلوماسي غربي في مقديشو أن تركيا تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في البلاد.
لكن بالنسبة إلى بعض القوى المعارضة، فإن تزايد الحضور العسكري التركي يجعل من الصعب النظر إلى أنقرة باعتبارها طرفًا محايدًا في الخلافات الداخلية.
بين النفوذ والمخاطر
وتضع التطورات الأخيرة تركيا أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، راكمت أنقرة خلال أكثر من عقد رصيدًا من المشاريع والمساعدات والتعاون الأمني جعلها شريكًا رئيسيًا للصومال، ومن جهة أخرى، أصبح هذا النفوذ مرتبطًا بصورة متزايدة بالصراع السياسي والعسكري الداخلي.
وفي الوقت الذي تستمر فيه المشاريع التركية، بما فيها مشروع المنشأة الفضائية في ورشيخ على ساحل الصومال، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الانخراط العسكري المباشر أو المزعوم في النزاعات الداخلية إلى الإضرار بالصورة التي بنتها أنقرة كشريك تنموي وأمني لمقديشو.
ومع استمرار المواجهات في بيدوا وتصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية ومعارضيها، يبقى الدور التركي أحد أبرز عناصر المشهد الصومالي، في وقت تحاول فيه أنقرة الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراع السياسي الداخلي.










