مقديشو- المنشر_الاخباري
تتجه أرض الصومال إلى تعزيز علاقاتها الأمنية والعسكرية مع إسرائيل، في خطوة تقول شخصيات ومسؤولون في هرجيسا إنها تستهدف مواجهة تنامي النفوذ التركي في الصومال المجاور، وسط تصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن.
وتسعى سلطات أرض الصومال، التي أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، إلى الحصول على أنظمة دفاع جوي ومعدات عسكرية من إسرائيل، بالتزامن مع توسع التعاون العسكري التركي مع الحكومة الصومالية في مقديشو.
وقال محمد عثمان فضل، المستشار البارز للشؤون الخارجية لرئيس أرض الصومال، إن بلاده تحتاج إلى أنظمة دفاع جوي، مشيرًا إلى وجود مقاتلات تركية من طراز «إف-16» في مقديشو، وإلى خطط تركية لإنشاء قاعدة للطائرات المسيّرة في الصومال.
وأضاف أن هرجيسا تريد من إسرائيل دعمها في مواجهة تركيا، في إشارة إلى انتقال العلاقات بين الطرفين من المجال السياسي والدبلوماسي إلى ملفات الأمن والدفاع.
مخاوف من تنامي الدور التركي
وتنظر هرجيسا بقلق إلى تنامي الدور التركي في الصومال خلال السنوات الماضية، بعدما تحولت أنقرة إلى أحد أبرز الشركاء الخارجيين لمقديشو في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية.
وتدير تركيا قاعدة «تركسوم» العسكرية في مقديشو، حيث تدرب القوات الصومالية، كما قدمت دعمًا عسكريًا وتقنيًا للجيش الصومالي، وشملت المساعدات طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية وبرامج تدريب.
كما تعزز التعاون بين البلدين في المجال البحري، بعد اتفاقات دفاعية واقتصادية وقعت خلال السنوات الأخيرة، ما منح أنقرة دورًا متزايدًا في أمن السواحل والمياه الإقليمية الصومالية.
وترى هرجيسا أن هذا النفوذ قد ينعكس على النزاع المستمر بينها وبين الحكومة المركزية في مقديشو، خصوصًا أن الصومال لا يعترف باستقلال أرض الصومال ويعتبرها جزءًا من أراضيه.
إسرائيل تدخل على خط المنافسة
جاء التقارب بين إسرائيل وأرض الصومال في أعقاب اعتراف إسرائيل رسميًا بأرض الصومال، لتصبح أول دولة تقوم بهذه الخطوة.
وتبع الاعتراف تحرك دبلوماسي وأمني متزايد بين الجانبين، بما في ذلك زيارة رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله إلى إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، حيث بحث الجانبان توسيع التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والاستثمار.
وأكدت إسرائيل اهتمامها بتطوير العلاقات مع هرجيسا، فيما تحدث مسؤولون من أرض الصومال عن رغبتهم في الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في قطاعات متعددة، من الأمن والدفاع إلى الزراعة والمياه والطاقة والتكنولوجيا.
وفي المجال العسكري تحديدًا، أكدت أرض الصومال أن إسرائيل تقدم تدريبًا لقوات الشرطة والجيش، لكنها نفت وجود اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضيها.
خليج عدن يرفع أهمية أرض الصومال
وتكتسب أرض الصومال أهمية استراتيجية بسبب موقعها على خليج عدن، مقابل السواحل اليمنية وبالقرب من مضيق باب المندب الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
ويجعل هذا الموقع المنطقة جزءًا من الحسابات الأمنية المتعلقة بحماية طرق التجارة البحرية، خصوصًا في ظل التوترات المستمرة في البحر الأحمر والهجمات التي شنها الحوثيون على سفن مرتبطة بإسرائيل أو بالولايات المتحدة وحلفائها خلال السنوات الماضية.
وتنظر تحليلات استراتيجية إلى الموقع الجغرافي لأرض الصومال باعتباره عاملًا مهمًا في الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بالبحر الأحمر واليمن، بينما ترى هرجيسا أن علاقاتها الجديدة يمكن أن تمنحها دعمًا سياسيًا وأمنيًا في مواجهة التحديات الإقليمية.
هرجيسا لا تعتبر الحوثيين عدوها الرئيسي
وعلى الرغم من أهمية موقع أرض الصومال بالنسبة إلى الملف اليمني، فإن المسؤولين في هرجيسا لا يتبنون بالكامل المقاربة الإسرائيلية تجاه الحوثيين.
وقال مسؤولون في أرض الصومال إنهم لا يريدون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، معتبرين أن الحوار والتعامل السياسي مع الجماعة قد يكون أكثر ملاءمة من التصعيد العسكري.
ويكشف هذا الموقف عن وجود اختلاف في الأولويات بين الطرفين؛ فبينما تنظر إسرائيل إلى التهديد القادم من اليمن باعتباره مسألة أمنية مباشرة، تركز هرجيسا بدرجة أكبر على علاقتها بالصومال وعلى احتواء النفوذ التركي في محيطها.
تركيا ترفض الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال
من جانبها، رفضت تركيا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تمسك بلاده بوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها.
وقال أردوغان إن الحفاظ على وحدة الصومال وسلامة أراضيه يمثل أولوية لتركيا، ووصف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بأنه غير مقبول، مؤكدًا استمرار دعم بلاده لأمن واستقرار الصومال.
ويضع هذا الموقف أنقرة في مواجهة مباشرة سياسيًا مع هرجيسا بشأن مستقبل الإقليم، ويضيف إلى الخلاف عاملًا جديدًا يتمثل في الشراكة المتنامية بين أرض الصومال وإسرائيل.
الصومال يحذر من المساس بسيادته
وترفض الحكومة الصومالية الاعتراف باستقلال أرض الصومال، كما انتقدت بشدة القرار الإسرائيلي.
وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إن الاعتراف الإسرائيلي يمثل تدخلًا في الخلاف القائم بين مقديشو وهرجيسا، مؤكدًا أن حكومته تعتبر أرض الصومال جزءًا من الأراضي الصومالية.
وتقول مقديشو إن أي تعامل مباشر مع أرض الصومال باعتبارها دولة مستقلة يمثل مساسًا بسيادة الصومال ووحدة أراضيه.
بربرة.. نقطة استراتيجية في المعادلة
وتبرز مدينة بربرة الساحلية كإحدى أهم النقاط في هذه المعادلة، بسبب موقعها على خليج عدن وقربها من باب المندب.
وترتبط بربرة بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع الإمارات، التي استثمرت في الميناء والبنية التحتية للمنطقة، وهو ما جعلها جزءًا من شبكة أوسع من المصالح الإقليمية المتداخلة.
ومع دخول إسرائيل بصورة أكبر إلى المشهد، تزداد أهمية بربرة باعتبارها نقطة استراتيجية تقع على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
تنافس إسرائيلي تركي يتجاوز الصومال
ولا يقتصر التنافس بين إسرائيل وتركيا على القرن الأفريقي، إذ تتقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات الإقليمية، خصوصًا في شرق المتوسط وسوريا والبحر الأحمر.
ويرى محللون أن توسع التنافس بين أنقرة وتل أبيب إلى القرن الأفريقي قد يحول المنطقة إلى ساحة جديدة للتنافس غير المباشر، خصوصًا مع وجود شركاء وحلفاء مختلفين لكل طرف.
وتتزايد حساسية هذا التنافس بسبب ارتباط القرن الأفريقي بأمن البحر الأحمر، وطرق التجارة الدولية، والصراع في اليمن، إضافة إلى النزاع بين إثيوبيا ومصر حول ملفات المياه والنفوذ الإقليمي.
تحالف جديد يحمل مكاسب ومخاطر
وتأمل أرض الصومال أن يساعد التقارب مع إسرائيل في تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية، ومنحها دعمًا سياسيًا في مساعيها للحصول على اعتراف دولي أوسع.
لكن دخول إسرائيل بصورة أعمق إلى المشهد الأمني في المنطقة قد يحمل في المقابل مخاطر على هرجيسا، إذ يمكن أن يجعلها طرفًا في صراعات إقليمية تتجاوز النزاع بينها وبين مقديشو.
كما أن أي وجود إسرائيلي متقدم في منطقة تطل على خليج عدن قد يزيد من حساسية المنطقة بالنسبة للحوثيين والقوى الأخرى المناهضة لإسرائيل، ما قد يعرّض المصالح والمنشآت المرتبطة بأرض الصومال لضغوط أمنية إضافية.
وبذلك تجد هرجيسا نفسها أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من الدعم الإسرائيلي لموازنة النفوذ التركي وتعزيز قدراتها الأمنية، مع محاولة تجنب تحول أراضيها وسواحلها إلى ساحة صراع جديدة بين القوى الإقليمية والدولية.










