طهران- المنشر_الاخباري
دخل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دائرة ضغط سياسي متزايد، بعد تسجيل طلب لاستجوابه في البرلمان على خلفية اتصالاته مع مسؤولين أميركيين خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك، في خطوة أثارت جدلًا داخل المؤسسات الإيرانية وفتحت الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الرجل الذي يقود الاتصالات الدبلوماسية مع واشنطن في واحدة من أكثر المراحل حساسية.
وأعلن عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني محمد رشيدي، اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول، تسجيل طلب استجواب عراقجي في نظام التشريع والرقابة البرلماني، لكنه أكد أن الطلب لم يُحال بعد إلى هيئة رئاسة المجلس. وبذلك، لا يمثل الإجراء الحالي قرارًا بإقالة وزير الخارجية، ولا يعني أن عملية استبداله بدأت رسميًا.
اتصالات نيويورك تشعل الخلاف
ويرتبط التحرك البرلماني بشكل أساسي باتصالات عراقجي مع مسؤولين أميركيين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ولا سيما التواصل الذي جرى مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في 22 سبتمبر/أيلول.
ويتهم منتقدون داخل البرلمان عراقجي بإجراء هذه الاتصالات من دون الحصول على التفويض اللازم من المؤسسات الإيرانية المعنية بالسياسة الخارجية والأمن القومي، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي، كما ورد في طلب الاستجواب الذي تقدم به النائب أميرحسين ثابتي.
لكن هذه الرواية ليست محل اتفاق داخل المؤسسات الإيرانية. فقد نقل التلفزيون الإيراني أن التواصل جاء بعد طلبات أميركية متكررة، وأن عراقجي وافق على اللقاء بهدف نقل شروط طهران ومواقفها، بينما قال نواب آخرون إن الوزير كان يتحرك ضمن التفويض الممنوح له لتنفيذ قرارات الدولة.
وبالتالي، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بحدوث الاتصال مع واشنطن، وإنما بمن يملك قرار تحديد شكل التواصل وحدوده، وما إذا كان وزير الخارجية قد تجاوز التعليمات الموضوعة للمفاوضات غير المباشرة.
ضغط على عراقجي أم تمهيد لإقالته؟
ويأتي التحرك ضد عراقجي في وقت تقود فيه طهران اتصالات حساسة مع الولايات المتحدة عبر وسطاء، خصوصًا قطر، بشأن مستقبل التهدئة وفتح مضيق هرمز والملفات المرتبطة بالعقوبات والبرنامج النووي.
وكان عراقجي قد تلقى في نهاية سبتمبر ردًا أميركيًا على مقترح إيراني من سبع نقاط، نقلته الدوحة إلى طهران، ويتضمن خطوات لبناء الثقة وإعادة فتح مضيق هرمز في حال تنفيذ شروط متبادلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن إبعاد عراقجي في هذه المرحلة قد يؤدي إلى تغيير الفريق الذي يدير قنوات الاتصال مع واشنطن، في وقت لا تزال فيه المفاوضات غير المباشرة قائمة رغم الخلافات العميقة بين الطرفين.
وفي المقابل، فإن استمرار عراقجي في منصبه قد يعني إخضاع تحركاته لرقابة سياسية أكبر، خصوصًا بعد الجدل حول حدود التفويض الذي حصل عليه في اتصالاته الأخيرة مع المسؤولين الأميركيين.
أسماء محتملة لخلافته
وفي حال تطور طلب الاستجواب إلى سحب الثقة من عراقجي أو قررت الحكومة تغييره، تبرز داخل الدوائر السياسية والدبلوماسية الإيرانية عدة أسماء يمكن أن تدخل دائرة التكهنات بشأن خلافته، وإن لم تعلن طهران حتى الآن أي عملية رسمية لاختيار وزير خارجية جديد.
ومن أبرز الأسماء علي باقري كني، الذي تولى منصب نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية سابقًا، كما شغل منصب القائم بأعمال وزير الخارجية لفترة انتقالية في عام 2024. ويشغل حاليًا منصب أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، ما يجعله شخصية ذات صلات قوية بمؤسسات صنع القرار الإيراني.
ويأتي مجيد تخت روانجي أيضًا ضمن الأسماء التي يمكن طرحها، باعتباره دبلوماسيًا مخضرمًا شغل منصب سفير إيران لدى الأمم المتحدة، ويتولى حاليًا منصب نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية. ويُنظر إليه باعتباره صاحب خبرة واسعة في الملفات المتعلقة بالولايات المتحدة والغرب.
أما كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، فيمثل خيارًا تكنوقراطيًا آخر، بحكم خبرته الطويلة في الملفات النووية والعقوبات والقضايا القانونية والدولية.
لكن هذه الأسماء تبقى في إطار التحليل والاحتمالات، ولم تعلن الحكومة الإيرانية أن هناك خطة لاستبدال عراقجي.
ماذا يعني تغيير وزير الخارجية؟
ويكتسب مستقبل عراقجي أهمية تتجاوز منصب وزير الخارجية نفسه، لأن الرجل أصبح أحد أبرز الوجوه الإيرانية في إدارة الاتصالات مع الغرب، وخصوصًا في الملف الأميركي.
وفي حال اختارت طهران شخصية أكثر تشددًا، فقد يتغير أسلوب إدارة الاتصالات مع واشنطن، بينما قد يعني اختيار دبلوماسي مخضرم الحفاظ على قنوات التفاوض مع تعديل آليات الرقابة عليها.
ويحتاج أي وزير خارجية جديد في إيران إلى الحصول على ثقة البرلمان بعد ترشيحه من الرئيس مسعود بزشكيان، ما يجعل مجلس الشورى الإسلامي لاعبًا أساسيًا في حال تحولت الضغوط الحالية إلى مسار رسمي لتغيير الوزير.
المفاوضات مع واشنطن في قلب الأزمة
وتأتي أزمة عراقجي في توقيت تستمر فيه الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، بينما تتمسك طهران بشروطها المتعلقة بمضيق هرمز والعقوبات والقضايا الأمنية.
وكان عراقجي قد أكد أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتنفيذ شروط حددتها طهران، فيما تواصلت الرسائل بين واشنطن وطهران عبر قطر. وتقول طهران إن المسألة تتعلق بترتيب خطوات متبادلة لبناء الثقة، بينما لا تزال واشنطن وطهران مختلفتين بشأن تفاصيل وآليات تنفيذ أي تفاهم.
وفي ظل استمرار هذه الاتصالات، يبدو أن مستقبل عراقجي سيبقى مرتبطًا إلى حد كبير بمسار التفاوض نفسه. فإذا استمرت طهران في استخدام القنوات الدبلوماسية مع واشنطن، فقد تحتاج إلى خبرات الرجل التفاوضية، لكن مع قيود سياسية ورقابة أكبر على تحركاته.
أما إذا اتجهت القيادة الإيرانية إلى تشديد موقفها وإعادة رسم قواعد التفاوض، فإن تغيير وزير الخارجية قد يصبح أحد الخيارات المطروحة، خصوصًا إذا تحول طلب الاستجواب الحالي إلى مسار رسمي لسحب الثقة.
وفي الوقت الراهن، لا يزال عراقجي في منصبه، بينما يظل طلب الاستجواب في مراحله الأولى، ما يجعل الحديث عن خليفة محتمل سابقًا لأوانه. لكن أسماء المرشحين المحتملين واتجاه التصويت البرلماني في حال وصول الملف إلى جلسة رسمية ستكون مؤشرات مهمة على المسار الذي ستختاره طهران في إدارة علاقاتها مع واشنطن.










