نيويورك- المنشر_الاخباري
تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن الدولي وسط تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، في تطور يثير مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة العسكرية في منطقة القرن الأفريقي، مع تداول تقارير تتحدث عن عبور قوات إريترية الحدود الإثيوبية ومشاركتها في القتال الدائر في شمال البلاد.
وبحسب المعلومات المتداولة، من المقرر أن يناقش المجلس التطورات خلال اجتماع مغلق، في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة، وتزايد المخاوف من انهيار الاستقرار الهش الذي ساد المنطقة بعد سنوات من النزاعات المسلحة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين، اللذين خاضا حربًا حدودية دامية بين عامي 1998 و2000، قبل أن يشهدا تقاربًا سياسيًا مؤقتًا أعقبته خلافات جديدة بشأن الأمن والنفوذ الإقليمي والحدود والوصول إلى البحر الأحمر.
اتهامات بعبور الحدود والمشاركة في العمليات العسكرية
وتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بالتدخل في شؤونها الداخلية، وتقول إن قوات إريترية تحركت داخل الأراضي الإثيوبية، ولا سيما في المناطق الشمالية، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية متجددة.
وتثير هذه الاتهامات مخاوف من احتمال تحول الاشتباكات المحلية إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري، خصوصًا إذا ثبت أن قوات نظامية إريترية تشارك بصورة مباشرة في العمليات القتالية داخل الأراضي الإثيوبية.
وتشير الروايات المتداولة إلى أن مسألة وجود القوات الإريترية قد تكون محورًا رئيسيًا في المناقشات الدولية، وسط دعوات إلى توضيح ملابسات التحركات العسكرية، وتحديد طبيعة المشاركة المزعومة، والعمل على منع المزيد من التصعيد.
ومع ذلك، فإن إثبات عبور القوات الحدود ومشاركتها في القتال يتطلب أدلة مستقلة يمكن التحقق منها، مثل معلومات ميدانية موثوقة أو صور موثقة أو تقارير أممية. ولم تتأكد بصورة مستقلة جميع التفاصيل الواردة في الادعاءات المتداولة.
إريتريا ترفض الاتهامات وسط تصاعد التوتر
في المقابل، رفضت إريتريا اتهامات إثيوبيا، ونفت الرواية التي تتحدث عن غزو واسع النطاق أو تدخل عسكري بالصورة التي تصفها أديس أبابا، وفق تقارير إعلامية تناولت الخلاف بين الطرفين.
ويأتي تبادل الاتهامات في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية تدهورًا ملحوظًا، مع تصاعد الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية الإقليمية وموقع كل دولة في معادلات القوة بالقرن الأفريقي.
كما يثير الخلاف حول الوصول إلى البحر الأحمر مخاوف إضافية؛ إذ تسعى إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، إلى تأمين منفذ بحري، بينما تنظر أسمرة بحساسية إلى أي تحركات قد تمس سيادتها أو توازنات الأمن في المنطقة.
ويرى مراقبون أن تداخل هذه الملفات يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف حدودي، إذ ترتبط بمصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية قد تؤثر في علاقات البلدين مع القوى الإقليمية والدولية.
لماذا يتحرك مجلس الأمن الآن؟
يمثل مجلس الأمن إحدى القنوات الدولية الرئيسية للتعامل مع الأزمات التي تهدد السلم والأمن الدوليين. ويمكن أن تتيح المشاورات المغلقة للدول الأعضاء تبادل المعلومات، والاستماع إلى إحاطات من مسؤولي الأمم المتحدة، ومناقشة الخيارات الدبلوماسية الممكنة بعيدًا عن التصريحات العلنية.
ومن المتوقع أن تتركز المناقشات على تطورات الوضع الأمني في شمال إثيوبيا، ومدى خطورة الاتهامات المتبادلة، والمخاطر التي قد تنشأ إذا استمرت التحركات العسكرية أو اتسعت رقعة الاشتباكات.
وقد تشمل الخيارات المطروحة الدعوة إلى ضبط النفس، وحث الطرفين على تجنب أي تحركات يمكن أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة، وتشجيع التواصل الدبلوماسي لمعالجة الخلافات عبر الوسائل السلمية.
لكن عقد اجتماع مغلق لا يعني بالضرورة أن المجلس توصل إلى استنتاج نهائي بشأن المسؤولية عن التصعيد، كما لا يعني أن الأدلة المتعلقة بوجود القوات الإريترية قد ثبتت بالفعل. ويتوقف تقييم نتائج الاجتماع على ما يصدر عن الأمم المتحدة والدول المعنية من بيانات ومعلومات موثوقة.
تيغراي.. بؤرة حساسة في الأزمة
تظل منطقة تيغراي، الواقعة في شمال إثيوبيا، إحدى أكثر المناطق حساسية في المشهد الأمني بالبلاد. فقد شهدت حربًا مدمرة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي خلال الفترة من عام 2020 إلى عام 2022، وأسفرت عن خسائر بشرية واسعة ونزوح أعداد كبيرة من السكان وأضرار كبيرة في البنية التحتية.
وشاركت القوات الإريترية في الصراع خلال تلك الحرب، وفق تقارير دولية متعددة، وهو ما يجعل الاتهامات الجديدة ذات حساسية خاصة لدى السكان والمراقبين الذين يخشون تكرار سيناريوهات العنف السابقة.
وتزيد هشاشة الأوضاع الأمنية والإنسانية من مخاطر أي تصعيد جديد، إذ قد يؤدي تجدد القتال إلى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية، وتهديد المدنيين، وزيادة حركة النزوح، فضلًا عن تعقيد الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في شمال إثيوبيا.
كما أن تعدد الأطراف المحلية والإقليمية ذات المصالح المتباينة يجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل انعدام الثقة وتبادل الاتهامات بين الحكومتين.
القرن الأفريقي أمام اختبار دبلوماسي جديد
لا تقتصر تداعيات التوتر بين إثيوبيا وإريتريا على البلدين وحدهما؛ فالقرن الأفريقي منطقة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن وطرق التجارة الدولية، وتجاور دولًا تواجه بدورها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.
وأي مواجهة مباشرة بين أديس أبابا وأسمرة قد تؤثر في حركة التجارة والأمن الحدودي والاستقرار الإقليمي، كما قد تدفع أطرافًا خارجية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لمنع اتساع النزاع.
وتزداد أهمية احتواء الأزمة في ظل التحديات الإنسانية التي تواجه المنطقة، بما في ذلك النزوح وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة وصول الخدمات الأساسية إلى المجتمعات المتضررة من النزاعات.
ويرى أنصار الحل الدبلوماسي أن الأولوية ينبغي أن تكون لتجنب التصعيد العسكري، وتوفير قنوات اتصال مباشرة بين الحكومتين، وإتاحة المجال أمام المؤسسات الدولية للتحقق من الادعاءات المتبادلة بدلًا من ترك الأزمة رهينة التصريحات السياسية والتحركات الميدانية.
هل تتجه المنطقة إلى مواجهة مفتوحة؟
يبقى احتمال التصعيد مرتبطًا بما ستكشفه المعلومات الموثوقة عن التحركات العسكرية، وبمدى استعداد الطرفين لاحتواء الخلاف عبر القنوات السياسية. فإذا تأكد وجود قوات إريترية تشارك في عمليات قتالية داخل إثيوبيا، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية على أسمرة، ورفع مستوى التوتر بين البلدين.
أما إذا استمرت الاتهامات من دون تقديم أدلة مستقلة قابلة للتحقق، فسيظل من الضروري التعامل معها بحذر، مع عدم تجاهل المخاطر الأمنية التي قد تنشأ عن التصعيد في منطقة سبق أن شهدت صراعات مدمرة.
وتترقب الأوساط الدولية ما إذا كانت مشاورات مجلس الأمن ستفضي إلى موقف موحد يدعو إلى التهدئة، أو إلى خطوات دبلوماسية إضافية لمنع اتساع الأزمة.
وفي جميع الأحوال، فإن التطورات المقبلة ستحدد ما إذا كانت إثيوبيا وإريتريا ستتمكنان من احتواء خلافاتهما، أم أن القرن الأفريقي سيواجه مرحلة جديدة من التوتر قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود البلدين.










