كشفت مصادر رفيعة المستوى لـ المنشر الاخباري، بوجود تحركات إماراتية تهدف إلى تنظيم وتمويل حركات الشتات الإريتري المعارضة، بهدف بناء قواعد ضغط سياسي وعسكري تسعى في نهاية المطاف إلى تقويض نظام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، المستمر في السلطة منذ استقلال البلاد عام 1993، وسط تصاعد السجال الدبلوماسي بين أسمرة وأبوظبي بشأن الهيمنة على الموانئ وطرق التجارة البحرية.
حركات الشتات الإريتري ومكتب أديس أبابا
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن جماعة من المنفيين الإريتريين تطلق على نفسها اسم “لواء نحميدو” (بمعنى “من أجل الوطن”) قد وسعت نطاق أنشطتها بشكل ملحوظ عبر شبكات الشتات في دول غربية وعربية وإقليمية، شملت إسرائيل (عبر اجتماعات وتصويتات في تل أبيب ونيس زيونا)، إضافة إلى كندا وأوروبا والولايات المتحدة.
وفي تطور لافت خلال شهر أبريل 2025، أعلنت الحركة افتتاح مكتب رسمي لها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ليكون بمثابة “مكتب مركزي عسكري” ومركز اتصال رئيسي لإدارة مرحلة العمل المقبلة ضد النظام في أسمرة، وذلك بعد إجراء قيادات اللواء محادثات أمنية وسياسية مع الحكومة الإثيوبية لتأمين غطاء ومظلة لدعم نشاطاتهم.
وفي ذات السياق، سلط تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في سبتمبر 2026، الضوء على انتخاب المجموعة لمجلس دولي مؤلف من 51 عضوا لبحث سبل التمويل والتحرك الدبلوماسي، وسط إفصاح قادة المجموعة علنا عن تطلعهم للحصول على دعم استراتيجي من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، مستندين في ذلك إلى الأهمية الجيوسياسية البالغة لموقع إريتريا المطل على البحر الأحمر.
ورغم هذه التحركات، تؤكد تقارير دولية ومجموعة الأزمات الدولية أن الأدلة على وجود قدرة تشغيلية عسكرية فعلية وواسعة النطاق داخل الأراضي الإريترية تظل محدودة حتى الآن.
انقسامات الشتات واحتكاكات المهرجانات
وتعكس هذه التطورات عمق الانقسامات التاريخية المستمرة داخل الجالية الإريترية الكبيرة في المهجر، والتي يقدر عدد أفرادها بنحو مليوني لاجئ وطالب لجوء حول العالم.
وشهدت السنوات الأخيرة اشتباكات متكررة وعنيفة بين مجموعات مؤيدة للحكومة وأخرى معارضة لها خلال مهرجانات وفعاليات جماهيرية نظمت في عدة عواصم ومدن بأوروبا وأمريكا الشمالية وإسرائيل.
في المقابل، تواصل المعارضة تقديم نفسها كبديل ديمقراطي يسعى لإنهاء عقود من حكم الحزب الواحد، بينما تشدد الحكومة الإريترية بانتظام على أهمية الوحدة الوطنية، معتبرة أن أي محاولات لتدخل خارجي محكوم عليها بالفشل أمام صلابة الجبهة الداخلية وسيادة الدولة.
جذور الأزمة بين أسمرة وأبوظبي وصراع الموانئ
وتأتي هذه التطورات على وقع تدهور ملحوظ في العلاقات الدبلوماسية بين أسمرة وأبوظبي.
فبعد أن استضافت إريتريا سابقا قاعدة عسكرية إماراتية في ميناء عصب استخدمت خلال حرب اليمن، توترت العلاقات إثر رفض أسمرة توسيع نطاق الوجود الإماراتي العسكري، لا سيما طلبات أتي بها نحو عام 2016 لإنشاء منشآة في جزر دهلك قد تتقاطع مع مصالح أمنية إقليمية، فضلا عن الخلافات المتعلقة بإدارة الموانئ.
وفي خطوة تصعيدية خلال سبتمبر 2026، وجه وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح، انتقادات علنية حادة لدولة الإمارات متهما إياها بممارسة “الهيمنة المينائية” في القارة الأفريقية، مستشهدا بشبكة الحصص والموانئ التي تديرها شركات مثل موانئ دبي العالمية وموانئ أبوظبي في مناطق استراتيجية كبربرة (أرض الصومال)، وبوصاصو (بونتلاند)، ومصر، وتنزانيا، فضلا عن اعتراض أسمرة على التقارب الإماراتي-الإسرائيلي في القرن الأفريقي.
الاستراتيجية الإماراتية في القرن الأفريقي
تلعب دولة الإمارات دورا محوريا ومتشعبا في منطقة القرن الأفريقي وشرق إفريقيا عبر منظومة متكاملة من الاستثمارات اللوجستية في الموانئ، والشراكات الأمنية، وتوفير الدعم العسكري لشركائها الإقليميين — كتقديم طائرات مسيرة لإثيوبيا خلال نزاع تيغراي، والانخراط في ملفات الصومال والسودان (وهو ما تنفيه أبوظبي باستمرار).
وفي المقابل، شكلت هذه السياسات محور تقارب استراتيجي وثيق بين إريتريا وكل من مصر والسعودية والقوات المسلحة السودانية لمواجهة النفوذ الإقليمي المتبادل.
وتركز أبوظبي في استراتيجيتها المعلنة على تأمين الممرات الملاحية ونقاط الاختناق البحرية على طرق التجارة في البحر الأحمر وخليج عدن، ومحاربة التيارات المتطرفة والنفوذ الإيراني، وبناء شبكات شراكة اقتصادية واقتصادية براغماتية مع حكومات المنطقة. غير أن هذه السياسات تقابل بانتقادات واسعة من خصومها الإقليميين، مثل إريتريا، الذين يعتبرونها تدخلا سافرا يؤجج الصراعات، بينما يراها المؤيدون استثمارا اقتصاديا ودبلوماسيا مشروعا لتعزيز الاستقرار والتجارة الدولية.










