انقرة- المنشر_الاخباري
سجلت تركيا واحدة من أكبر عمليات خفض احتياطيات الذهب بين البنوك المركزية خلال عام 2026، بعدما بلغت مبيعاتها الصافية نحو 85 طنًا حتى نهاية يوليو، لتتصدر قائمة البنوك المركزية الأكثر بيعًا للمعدن النفيس خلال تلك الفترة، في تحرك ارتبط بضغوط العملة المحلية وارتفاع احتياجات السيولة والتمويل بالعملات الأجنبية.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، تركز الجزء الأكبر من المبيعات التركية خلال الربع الأول من العام، بالتزامن مع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة، ما دفع السلطات النقدية إلى الاستفادة من الذهب بوصفه أحد الأصول القابلة للتحويل إلى سيولة دولارية.
وتكشف هذه التحركات عن تحول لافت في إدارة الاحتياطيات التركية، إذ انتقلت أنقرة من تعزيز حيازاتها من الذهب خلال سنوات سابقة إلى استخدام جزء منها لتلبية احتياجات مالية ونقدية ملحة، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالتضخم وتقلبات سعر صرف الليرة.
الذهب أداة لدعم الليرة وتوفير الدولار
ويأتي اللجوء إلى الذهب في إطار مساعي البنك المركزي التركي لتوفير السيولة اللازمة لإدارة سوق الصرف الأجنبي والحد من الضغوط على الليرة. فمع ارتفاع الطلب على الدولار، يمكن للبنك المركزي بيع جزء من احتياطياته الذهبية أو استخدامه في معاملات المبادلة للحصول على العملات الأجنبية، بما يتيح له تلبية بعض الاحتياجات التمويلية دون الاعتماد حصريًا على مصادر أخرى للاحتياطيات.
وأفادت تقارير اقتصادية بأن تركيا استخدمت، إلى جانب المبيعات المباشرة، معاملات مبادلة للذهب مقابل العملات الأجنبية، بما فيها الدولار، لتوفير السيولة ودعم العملة المحلية. وتتيح هذه المعاملات الحصول على عملات أجنبية مقابل الذهب مع اختلاف شروط استرداد المعدن وتوقيت التسوية بحسب الاتفاق المبرم.
ووفق تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز» نُشر في أبريل 2026، باعت تركيا نحو 52 طنًا من الذهب وأجرت معاملات مبادلة شملت قرابة 79 طنًا منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بهدف جمع سيولة تقارب 20 مليار دولار لدعم الليرة وتوفير الدولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن التعامل مع الاحتياطيات لم يقتصر على البيع النهائي، بل شمل أيضًا ترتيبات مالية تسمح بتحويل الذهب إلى سيولة.
ارتفاع تكاليف الطاقة يزيد الضغوط
وتواجه تركيا تحديات إضافية بسبب اعتمادها على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها عرضة لتأثيرات ارتفاع أسعار النفط والغاز على فاتورة الواردات والطلب على العملات الأجنبية.
وعندما ترتفع تكلفة استيراد الطاقة، تحتاج الشركات والمستوردون إلى مزيد من العملات الأجنبية لتسوية مدفوعاتهم، الأمر الذي قد يزيد الضغط على سوق الصرف، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الطلب على الدولار أو تراجع تدفقات النقد الأجنبي.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح إدارة الاحتياطيات مسألة حساسة أمام البنك المركزي، الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين توفير السيولة اللازمة للأسواق والحفاظ على مستوى من الأصول الاحتياطية يسمح بمواجهة الصدمات الاقتصادية المستقبلية.
لكن استخدام الذهب لا يلغي الضغوط الأساسية التي تواجه الاقتصاد، بل يمنح السلطات النقدية أداة إضافية للتعامل معها. كما أن استمرار المبيعات على نطاق واسع قد يقلص حجم الاحتياطيات المتاحة مستقبلًا، ما يجعل توقيت هذه العمليات وحجمها عاملين مهمين في تقييم السياسة النقدية التركية.
روسيا أيضًا تخفض احتياطياتها الذهبية
ولم تقتصر عمليات بيع الذهب على تركيا، إذ أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن روسيا باعت صافي 56 طنًا من الذهب خلال الفترة من يناير إلى نهاية أغسطس 2026، لتأتي ضمن أبرز البنوك المركزية التي خفضت حيازاتها من المعدن النفيس هذا العام.
وبحسب المجلس، تراجعت حيازات روسيا الذهبية إلى نحو 2,271 طنًا بنهاية أغسطس، بعدما واصل البنك المركزي الروسي تسجيل مبيعات خلال عدة أشهر متتالية.
وتختلف الظروف الروسية عن التركية؛ إذ تتأثر موسكو بالعقوبات الغربية والقيود المالية والإنفاق المرتبط بالحرب في أوكرانيا، فيما يرتبط التحرك التركي بصورة أوضح بالحاجة إلى إدارة السيولة ودعم العملة المحلية وتغطية الضغوط الخارجية.
ومع ذلك، لا تكفي بيانات المبيعات وحدها لإثبات أن كل طن جرى بيعه خُصص لغرض محدد، سواء لتمويل الحرب أو دعم العملة أو تغطية الواردات، ما يستدعي التمييز بين الأرقام الرسمية والتفسيرات المتعلقة بدوافعها.
تحول في إدارة احتياطيات البنوك المركزية
وتعكس التحركات التركية والروسية أن الذهب لا يُستخدم دائمًا بوصفه أصلًا للاحتفاظ طويل الأجل، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر للسيولة عند تصاعد الضغوط الاقتصادية أو المالية.
وفي حالة تركيا، يبرز التحدي في توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستقرار الأسواق من دون استنزاف الاحتياطيات بوتيرة قد تزيد صعوبة مواجهة الأزمات المقبلة. أما بالنسبة إلى روسيا، فتأتي المبيعات في بيئة اقتصادية مختلفة تتداخل فيها القيود المالية الدولية مع احتياجات الدولة.
وبذلك، فإن تصدر تركيا مبيعات الذهب خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 لا يمثل مجرد تغير في حجم احتياطياتها، بل يكشف عن الضغوط التي تواجه إدارة العملة والسيولة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي وواردات الطاقة.










