الخرطوم- المنشر_الاخباري
تكشف تقارير دولية وتحقيقات صحفية عن شبكة معقدة من طرق الإمداد والتجنيد والدعم اللوجستي العابر للحدود، يُشتبه في أنها ساعدت قوات الدعم السريع على مواصلة القتال في السودان، رغم التحولات العسكرية التي شهدتها الحرب، بما فيها سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر 2025. وتشير هذه التقارير إلى أن استمرار قدرات القوات لا يرتبط فقط بتطورات الجبهات الداخلية، بل يتأثر أيضًا بشبكات خارجية تنقل الأسلحة والمعدات والمقاتلين.
طرق إمداد تمتد عبر عدة دول
أفادت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تقرير صدر في سبتمبر 2026، بأن شبكات عابرة للحدود أسهمت في توفير أسلحة وذخائر وتقنيات عسكرية ودعم لوجستي لقوات الدعم السريع، بما عزز قدراتها على تنفيذ عمليات أكثر تطورًا. وذكر التقرير أن مسارات الإمداد المشتبه بها شملت مواقع عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال.
ووفقًا للبعثة، ساعدت هذه الشبكات في نقل أفراد وتوفير التدريب والمعدات، فيما وثّق التقرير مشاركة ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق في عمليات مرتبطة بقوات الدعم السريع في دارفور وكردفان. وقالت البعثة إن هؤلاء شغّلوا طائرات مسيّرة قتالية ومدفعية وأسلحة متقدمة إلى جانب وحدات من القوات.
وتتوافق بعض هذه النتائج مع تقرير سابق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، نُشر في مايو 2026، تناول تجنيد مقاتلين كولومبيين ومسارات انتقالهم إلى السودان عبر الإمارات وليبيا وتشاد والصومال. وخلصت المنظمة إلى أن الأدلة التي جمعتها تشير إلى صلات بين شركة أمنية مقرها أبوظبي وعملية توظيف هؤلاء المقاتلين ونشرهم إلى جانب قوات الدعم السريع.
اتهامات بالدعم الخارجي ونفي إماراتي
تضع هذه التقارير الإمارات العربية المتحدة ضمن شبكة الدعم المزعومة لقوات الدعم السريع، لكن أبوظبي تنفي تقديم أي دعم عسكري لأي من طرفي الحرب. وتقول السلطات الإماراتية إنها تدعم جهود وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وترفض الاتهامات المتعلقة بتسليح القوات أو إسناد عملياتها.
وفي فبراير 2026، نشرت وكالة «رويترز» تحقيقًا أفاد، استنادًا إلى مصادر وصور أقمار صناعية ومعلومات اطلعت عليها، بأن إثيوبيا تستضيف معسكرًا لتدريب مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع، وأن الإمارات موّلت إنشاءه وقدمت دعمًا لوجستيًا وتدريبيًا، بحسب المصادر التي استند إليها التحقيق. ونفت أديس أبابا سابقًا اتهامات الحكومة السودانية بتسهيل نقل الأسلحة أو تدريب مقاتلي الدعم السريع.
كما أوردت تقارير سودانية اتهامات بوجود معسكرات ومراكز إمداد داخل الأراضي الإثيوبية قرب الحدود السودانية. غير أن بعض هذه الادعاءات لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة، وتظل بحاجة إلى مزيد من الأدلة والتوضيح الرسمي.
المقاتلون الأجانب والتقنيات العسكرية
لا تقتصر الاتهامات على نقل السلاح؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة و«هيومن رايتس ووتش» إلى دور محتمل لمقاتلين أجانب وشركات توظيف وأطراف لوجستية في دعم العمليات. وتقول هذه التقارير إن نقل الخبرات والمعدات المتقدمة، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، أسهم في توسيع نطاق العمليات العسكرية وإتاحة تنفيذ ضربات بعيدة عن خطوط المواجهة.
وفي المقابل، ذكر تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أيضًا طائرات مسيّرة أجنبية الصنع في عمليات ألحقت أضرارًا بالمدنيين والمنشآت المدنية. وشدد التقرير على أن الدعم الخارجي لطرفي النزاع ساهم في زيادة القدرات العسكرية، بينما دفع المدنيون الثمن عبر الهجمات على المنازل والمستشفيات والمدارس والأسواق ومواقع النزوح.
سقوط الفاشر لم ينهِ شبكة الحرب
يمثل سقوط الفاشر محطة مفصلية في الحرب السودانية، لكنه لم يؤدِّ إلى توقف القتال أو انهيار قوات الدعم السريع. ويشير استمرار المواجهات وظهور جبهات جديدة إلى أن ميزان القوى لا يتحدد بالسيطرة على المدن وحدها، بل يتأثر كذلك بقدرة الأطراف على تأمين المقاتلين والوقود والذخائر والمعدات وطرق النقل.
وتشير التقارير إلى أن شبكات الإمداد العابرة للحدود قد تمنح قوات الدعم السريع قدرة على تعويض بعض خسائرها وإعادة تنظيم صفوفها، لكن حجم تأثير هذه الشبكات يظل مرتبطًا باستمراريتها وقدرة الأطراف المعنية على تعطيلها. كما أن الاتهامات المتعلقة بدور دول وشركات وأفراد في هذه المسارات تختلف في مستوى الأدلة المتاحة، وبعضها محل نفي رسمي.
تداعيات إقليمية وإنسانية
تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين والدعم اللوجستي يطيل أمد الحرب ويزيد المخاطر على المدنيين، داعية إلى تطبيق حظر السلاح المفروض على دارفور وتعزيز آليات التحقق من عمليات نقل الأسلحة والتجنيد غير المشروع.
ومع اتساع رقعة المواجهات وتعدد مسارات الإمداد المزعومة، تزداد صعوبة احتواء الحرب عبر التفاهمات المحلية وحدها. فوقف القتال يتطلب، إلى جانب المسار السياسي السوداني، معالجة قنوات الدعم الخارجي والتحقق من الاتهامات ومحاسبة الجهات التي يثبت تورطها في انتهاكات القانون الدولي.










