ما تزال الحضارة المصرية القديمة تبوح بأسرارها الدفينة وتكشف عن مكنونات الفكر والعقيدة؛ حيث تسلط الأضواء الأثرية مجددا على تابوت الوزير “جمينفيرباك”، الذي يعود تاريخه إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين (الفترة الممتدة من 664 إلى 525 قبل الميلاد).
ويكشف التابوت تفاصيل عميقة حول طبيعة الخامات والأحجار التي اعتمدها المصري القديم في صياغة التماثيل والقطع التجميلية والعناصر المعمارية الرفيعة. ويعكس صندوق التابوت الحجري، الذي يبلغ طوله نحو 239 سنتيمترا وعرضه 75 سنتيمترا وارتفاعه 53 سنتيمترا، ضخامة العمل الهندسي ودقة التنفيذ الفني لدى نحاتي تلك الفترة.
رموز العدالة والبعث والتوازن الكوني
وأوضح الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار، أن جمينفيرباك كان يشغل منصب الوزير الذي يمثل أرفع موقع إداري وتنفيذي في الدولة القديمة، وهو ما يوازي في المفهوم الحديث رئيس الوزراء أو المسؤول التنفيذي الأكبر المعني بإدارة القضاء وشؤون الحكم.
وأشار وزيري إلى أن الزخارف والنقوش المحفورة على التابوت تبين ارتباط الوزير بمبادئ العدالة من خلال قلادة تحمل صورة الإلهة “ماعت” رمز الحق والعدل والتوازن الكوني.
كما أشار إلى مشهد الجعران المجنح البارز على الصندوق، والذي يرمز للشمس المتجددة وأمنية المتوفى في العبور الآمن نحو عالم الخلود والبعث، مؤكدا أن التوابيت كانت بمثابة وثائق لتخليد اسم الراحل وألقابه وليست مجرد أحجار صامتة.

بيت الآخرة ووثيقة عقائدية ناطقة
من جانبه، أكد الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية، أن التابوت يمثل “بيت الآخرة” الذي تحتمي فيه جثة المتوفى لضمان بعثها، مما دفع المصريين للتفنن في صناعته وزخرفته بالذهب والخشب والمواد الحجرية المتميزة كالجرانيت والألباستر والحجر الجيري.
وأضاف شاكر أن هذا الأثر يعد شاهدا استثنائيا على عبقرية النظام الإداري والفلسفي للفراعنة؛ إذ يعبر ثراء النقوش التي تضم الجعران المجنح وعمود “جد” ورموز “ماعت” عن منظومة عقائدية وفكرية متكاملة سبقت عصرها بكثير.








