شهدت العاصمة الليبية طرابلس في الأيام الأخيرة من شهر يوليو 2025 تصاعدا خطيرا في حدة التوترات بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وجهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بقيادة عبد الرؤوف كارة، حيث بات إعلان الحرب العسكرية المباشرة مسألة وقت.
في خطوة تصعيدية جديدة، أعلن الدبيبة في السابع من يوليو أربعة شروط أساسية قال إنها تمثل “خطا أحمر” لمنع اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة في العاصمة. وأكد رئيس حكومة الوحدة أن حكومته “ماضية بكل قوة في خطتها الأمنية لاستعادة سيادة الدولة”، مؤكدا أن “وقت استرجاع الدولة قد حان”.
الشروط الأربعة الأساسية لتجنب الحرب
وضع الدبيبة أربعة شروط واضحة لمنع اندلاع الحرب، وهي:
الشرط الأول: تسليم المطلوبين للعدالة
ضرورة تسليم جميع المطلوبين للنائب العام، حيث أشار إلى أن النائب العام أصدر نحو 125 أمر قبض بحق متهمين يحتمون في قاعدة معيتيقة. وشدد على أن “المجرمين يجب أن يخضعوا للسلطة القضائية، وأن نتائج التحقيق هي التي ستحدد براءتهم من عدمها”.
الشرط الثاني: إخضاع مطار معيتيقة للدولة
إخضاع مطار معيتيقة بشكل كامل لسلطة وزارة المواصلات، وإنهاء سيطرة جهاز الردع على هذا المنفذ الحيوي الوحيد العامل في العاصمة.
الشرط الثالث: تسليم السجون للأجهزة النظامية
تسليم كافة السجون للأجهزة النظامية التابعة للدولة، وإنهاء سيطرة التشكيلات المسلحة عليها.
الشرط الرابع: حل المليشيات نهائيا
حل المليشيات بشكل نهائي وإدماج من يريد الانضمام في أجهزة الدولة النظامية.
التهديد المباشر والإنذار الأخير
وجه الدبيبة تهديدا صريحا لجهاز الردع وحلفائه، قائلا إن “من يعارض هذه الشروط لن يضمن ما سيحدث له”. وأكد في الوقت ذاته أن “باب العودة مفتوح لمن يريد الامتثال لأجهزة الدولة”، مشددا على أن “الرسالة واضحة للجميع”.
كما أعلن الدبيبة جاهزية قواته لخوض الحرب ضد جهاز الردع وكل من يتحالف معه، في حال رفضوا القبول بشروطه. وأكد أن “العملية الأمنية الأخيرة جاءت بعد أن أصبحت التشكيلات المسلحة تشكل خطرا حقيقيا على مؤسسات الدولة وهيكلها”.
الخلفية التاريخية للصراع
تصاعدت حدة الخلاف بين الطرفين منذ إصدار الدبيبة قرارا في 14 مايو 2025 بحل جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو القرار الذي رفضه الجهاز باعتبار أن إنشاءه من اختصاص المجلس الرئاسي وليس الحكومة.
جاء هذا القرار في أعقاب اغتيال عبد الغني الككلي “غنيوة” قائد جهاز دعم الاستقرار في 12 مايو، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات دامية في طرابلس بين قوات الدبيبة وجهاز الردع استمرت عدة أيام وسقط خلالها عشرات القتلى والجرحى.
قوة الردع والسيطرة على المواقع الحيوية
يعد جهاز الردع من أقوى التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، حيث يسيطر على قاعدة طرابلس الجوية التي تضم مطار معيتيقة الدولي وسجن العاصمة الأكبر. كما يفرض سيطرته على الجزء الشرقي من طرابلس وعدد من المواقع الحيوية داخلها.
وبحسب تقارير صحفية، فإن جهاز الردع “يسعى لتحقيق مكاسب مالية كبيرة ناتجة عن الاستفادة من العقود المبرمة مع شركات الأمن الخاصة”. كما أنه “يستولي على آليات مدرعة تابعة لشركات أمنية أمام مدخل المطار”.
المحاولات التركية للوساطة
في محاولة لتجنب التصعيد العسكري، زار رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالن العاصمة الليبية في يونيو 2025 داعيا إلى التهدئة. وأكد المسؤولون الأتراك رفض بلادهم لأي محاولة قد تقوم بها ميليشيات موالية للدبيبة لاقتحام قاعدة معيتيقة، وتمسكها بالحوار كأداة لحل الخلافات.
كما رفضت تركيا استخدام الطائرات المسيرة “بيرقدار تي بي 2” التي سلمتها لليبيا في النزاع القائم داخل طرابلس.
محاولات البحث عن بدائل عسكرية
في ظل تراجع الدعم التركي، سعى الدبيبة للحصول على دعم عسكري من مصادر أخرى. فقد كشفت تقارير أن القوة المشتركة التابعة له تواصلت مع وزارة الدفاع الأذربيجانية في 18 يونيو للحصول على طائرات هجومية مسيرة بقيمة 75 مليون دولار.
كما أشارت مصادر إلى أن إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي، وصل إلى الدوحة لاستجداء تدخل القطريين لإقناع الأتراك بدعم خطة الدبيبة لخوض ما يعتبرها “معركة الحسم”.
موقف المجتمع الدولي والمحلي
أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها إزاء التحشيدات والتحركات العسكرية في طرابلس، محذرة من أن “الوضع قد يخرج عن السيطرة بسرعة”. كما حثت جميع الأطراف على “ضمان حماية المدنيين، والانخراط دون تأخير في حوار جاد لحل الخلافات بالوسائل السلمية”.
على المستوى المحلي، رصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا “بقلق بالغ” التحشيدات والتحركات العسكرية، وحملت حكومة الوحدة “كامل المسؤولية القانونية حيال أي خرق للهدنة”.
التحديات المستقبلية وسيناريوهات محتملة
يواجه الدبيبة تحديات عديدة في تنفيذ تهديداته ضد جهاز الردع، أبرزها التحدي الأول الدعم الشعبي حيث يتمتع عبد الرؤوف كارة، قائد جهاز الردع، بشعبية واسعة في منطقة سوق الجمعة نظرا لمرجعيته السلفية. وقد شهدت المنطقة احتجاجات تضامنية معه ضد قرارات الدبيبة.
التحدي الثاني وهو التحالفات المحلية حيث تحالفت قوات من مدينة الزاوية مع جهاز الردع في المواجهات السابقة. كما أن هناك تشكيلات مسلحة في المنطقة الغربية ترفض الخضوع لسلطة الدبيبة.
أما التحدي الثالث فهي المواقع الاستراتيجية حيث يسيطر جهاز الردع على مطار معيتيقة الوحيد العامل قرب العاصمة، مما يعطيه أوراق قوة مهمة في أي مفاوضات.
ردود فعل جهاز الردع
في المقابل، وضع جهاز الردع شروطه المضادة لتسليم قاعدة معيتيقة والمطلوبين، وأبرزها امتثال عبد الحميد الدبيبة نفسه للتحقيق أمام مكتب النائب العام في قضايا فساد. هذا الرد يعكس رفض الجهاز للخضوع لشروط الدبيبة ومحاولته قلب الطاولة عليه.










