القدس المحتلة – المنشر الإخباري، 26 فبراير 2026| في تصعيد استيطاني جديد يحمل أبعادا استراتيجية وخطابا سياسيا غير مسبوق في صراحته، أعلن وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الأمن، اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، عن إطلاق مشروع بنية تحتية ضخم يهدف إلى ربط مستوطنات الضفة الغربية المحتلة بمدينة القدس عبر شبكة طرق سريعة.
ولم يكتف سموتريتش بالإعلان التقني عن المشروع، بل كشف علانية عن الهدف الجيوسياسي الكامن خلفه، واصفا إياه بأنه أداة مركزية ضمن منهجية حكومية تهدف إلى “إجهاض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية في المستقبل المنظور”.
“طريق 45”: تكريس الضم الفعلي بالأسفلت
وفقا لما أوردته القناة السابعة الإسرائيلية، يتركز المشروع حول إنشاء وتوسعة الطريق السريع الذي يحمل الرقم (45)، وهو مسار استراتيجي يمتد عبر عمق أراضي الضفة الغربية المحتلة ليصل بين التجمعات الاستيطانية الكبرى ومركز مدينة القدس.
ويرى مراقبون أن هذا المشروع يتجاوز كونه تسهيلا لحركة مرور المستوطنين، ليتحول إلى “ترسيم حدود ميداني” يمزق التواصل الجغرافي الفلسطيني المتبقي بين شمال الضفة وجنوبها، مقابل خلق تواصل استيطاني صلب لا ينفصم عن دولة الاحتلال.
إن خطورة هذا الطريق تكمن في قدرته على تحويل المستوطنات المعزولة إلى “ضواحي سكنية” متصلة جغرافيا واقتصاديا بالقدس ومركز إسرائيل، مما يشجع على تضخم ديموغرافي هائل في المستوطنات، ويجعل من فكرة إخلائها في أي تسوية مستقبلية أمرا مستحيلا من الناحية التقنية والميدانية.
فلسفة سموتريتش: الاستيطان كقدر محتوم
تأتي هذه الخطوة لتعكس الفلسفة السياسية التي ينتهجها سموتريتش منذ توليه منصبه، وهي فلسفة تقوم على مبدأ “الحسم” بدلا من “الإدارة”. فمن خلال سيطرته على الميزانيات وصلاحيات الإدارة المدنية، يعمل سموتريتش على تحويل الضفة الغربية من أرض محتلة تخضع لإدارة عسكرية مؤقتة إلى جزء عضوي من إسرائيل عبر البنية التحتية.
تصريحات سموتريتش الأخيرة، التي لم تترك مجالا للتأويل، تعد نسفا مباشرا لما تبقى من أوهام “حل الدولتين” في الخطاب الرسمي الإسرائيلي. وبدلا من التذرع بالاحتياجات الأمنية أو الطبيعية للنمو السكاني، اختار الوزير المتطرف الإفصاح عن الأجندة الأيديولوجية بوضوح؛ وهي استخدام “جرافات الطرق” لدفن أي تطلعات وطنية فلسطينية، وتحويل الأرض إلى قطع مبعثرة محاصرة بشبكة طرق لا يستفيد منها إلا المستوطنون.
“نحن لا نبني طرقا فحسب، نحن نبني واقعا يمنع تقسيم البلاد للأبد، ويقطع الطريق على أي محاولة لإقامة كيان إرهابي في قلب أرض إسرائيل” – من تصريحات سموتريتش خلال حفل التدشين.
انتهاك للقانون الدولي وتحد للمجتمع الدولي
تأتي هذه الخطوة في وقت يواجه فيه الاستيطان الإسرائيلي عزلة دولية متزايدة، خاصة بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي بحد ذاته غير قانوني، وطالب بإزالة المستوطنات. إن الإعلان عن “طريق 45” يمثل تحديا صارخا للإرادة الدولية وللدول التي اعترفت مؤخرا بالدولة الفلسطينية، مثل إسبانيا والنرويج وأيرلندا وسلوفينيا.
ويحذر خبراء قانونيون من أن توظيف البنية التحتية لخدمة فئة عرقية معينة (المستوطنين) على حساب أصحاب الأرض الأصليين (الفلسطينيين) يكرس نظام “الأبرتهايد” أو الفصل العنصري، حيث تصادر الأراضي الفلسطينية لبناء طرق يحظر عليهم استخدامها في كثير من الأحيان، أو تستخدم لعزل قراهم ومدنهم عن بعضها البعض.
ردود الفعل والتداعيات المتوقعة
على الجانب الفلسطيني، اعتبرت وزارة الخارجية والمغتربين أن هذا المشروع هو “جريمة حرب” موصوفة تندرج ضمن مخططات الضضم والتهويد. وطالبت المجتمع الدولي، وتحديدا الإدارة الأمريكية، بضرورة الانتقال من مربع “القلق” والإدانات اللفظية إلى مربع العقوبات الفعلية على قادة الاستيطان ووقف تمويل مثل هذه المشاريع.
ومن المتوقع أن تثير صراحة سموتريتش موجة جديدة من التوترات الدبلوماسية، حيث تحرج هذه التصريحات حلفاء إسرائيل الذين لا يزالون يتمسكون بـ “حل الدولتين” كخيار وحيد. فبينما يتحدث العالم عن دولة فلسطينية، يتحدث سموتريتش عن “إجهاضها” بالأسفلت والخرسانة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية قراراته الأممية.











