“جيرالد فورد” USS Gerald R. Ford الاغلى عالميا بقيمة 13 مليار دولار تواجه أعطالًا طارئة في نظام الصرف الصحي بينما تواصل انتشارًا عسكريًا ضخما في الشرق الأوسط
طهران – المنشر الإخباري
في مشهدٍ يبدو أقرب إلى مفارقة سياسية–عسكرية ثقيلة الظل، تقف أحدث وأغلى حاملة طائرات في الأسطول الأمريكي قبالة الشرق الأوسط، في مهمة توصف بأنها رسالة ردع مباشرة إلى إيران، بينما تنشغل داخلها فرق الصيانة بمحاربة أزمة… مراحيض.
الحاملة يو إس إس جيرالد آر فورد (USS Gerald R. Ford)، التي دخلت الخدمة رسميًا عام 2017، تمثل حجر الزاوية في الجيل الجديد من حاملات الطائرات الأمريكية. بتكلفة تقترب من 13 مليار دولار لبنائها فقط – دون احتساب تكاليف التطوير والبحث – قُدمت باعتبارها منصة التفوق البحري المطلق، وخليفة فئة نيميتز (Nimitz-class aircraft carrier) التي شكّلت لعقود عماد الهيمنة البحرية الأمريكية.
لكن خلف الطائرات الشبحية، وأنظمة الإطلاق الكهرومغناطيسية المتطورة (EMALS)، والرادارات فائقة الحساسية، تدور معركة يومية أقل بريقًا وأكثر إحراجًا: انسدادات متكررة في نظام الصرف الصحي، تضغط على طاقم يضم نحو 4600 بحار وضابط، وتستنزف ساعات عمل طويلة في وقت يفترض أن يكون التركيز فيه على الجاهزية القتالية.
تكنولوجيا المستقبل… وأنابيب أضيق من اللازم
اعتمدت “جيرالد فورد” نظامًا حديثًا لمعالجة النفايات يُعرف بنظام الشفط الفراغي (Vacuum Collection, Holding and Transfer – VCHT)، وهو نظام مستوحى جزئيًا من تقنيات مستخدمة في السفن السياحية والطائرات، ويهدف إلى تقليل استهلاك المياه وتحسين الكفاءة البيئية.
على الورق، بدا النظام خيارًا منطقيًا: أقل استهلاكًا للمياه، أكثر تطورًا، وأخف وزنًا. لكن التطبيق العملي على متن حاملة طائرات مكتظة بالآلاف كشف عيوبًا تشغيلية صعبة. فالأنابيب أضيق من الأنظمة التقليدية، والضغط الناتج عن الاستخدام الكثيف والمتواصل يجعل أي خطأ صغير يتحول إلى انسداد واسع النطاق.
بحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن إدخال مواد غير مخصصة – مثل قطع قماش أو مناديل سميكة أو حتى أجزاء من أدوات تنظيف – يؤدي إلى تعطيل قطاعات كاملة من النظام. وعندما يحدث انسداد في شبكة تعتمد على الشفط الفراغي، فإن تأثيره لا يكون موضعيًا فقط، بل قد يمتد إلى مرافق متعددة في وقت واحد.
النتيجة؟ طوابير انتظار، ضغط نفسي، وأعمال صيانة طارئة تتكرر بوتيرة لافتة.
205 بلاغات في أربعة أيام
في مارس 2025، وخلال أربعة أيام فقط، سُجلت 205 بلاغات صيانة متعلقة بالمراحيض، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية عن مصادر داخل البحرية. الرقم ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر على أزمة تشغيلية حقيقية.
تقارير الإذاعة الوطنية العامة (NPR – National Public Radio) تحدثت عن بحارة عملوا لساعات تصل إلى 19 ساعة يوميًا لمحاولة إعادة النظام إلى العمل بكفاءة. بعض الشهادات أشارت إلى أن الأعطال لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من الروتين اليومي على متن السفينة.
المفارقة القاسية أن السفينة التي تمثل ذروة الابتكار العسكري الأمريكي، تعاني في أحد أكثر أنظمتها بدائية وحساسية للحياة اليومية. وبينما يمكن للطائرات الإقلاع بسلاسة عبر نظام إطلاق كهرومغناطيسي معقد، قد يتعطل مرحاض بسبب قطعة قماش عالقة في أنبوب ضيق.
انتشار غير معتاد… وضغط يتراكم
بدأ انتشار الحاملة في يونيو 2025 في البحر المتوسط، في إطار مهمة روتينية لتعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة. لكن الروتين سرعان ما تحوّل إلى تمديد مفتوح.
في أكتوبر 2025، أُعيد توجيه الحاملة إلى البحر الكاريبي لدعم عمليات مرتبطة بفنزويلا والرئيس نيكولاس مادورو (Nicolás Maduro)، قبل أن يصدر قرار جديد بتمديد المهمة مرة أخرى مطلع 2026 لتغطية الشرق الأوسط.
التقديرات تشير إلى أن مدة الانتشار قد تصل إلى 11 شهرًا – رقم قياسي في زمن السلم لحاملة طائرات أمريكية. ورغم أن البحرية الأمريكية معتادة على الانتشار الطويل، فإن التمديد المتكرر دون فواصل كافية للراحة يترك أثرًا عميقًا على الطواقم.
وجود “جيرالد فورد” قرب إيران ليس مجرد تحرك عسكري عابر. إنه رسالة سياسية واضحة، تعكس تمسك واشنطن بإبقاء أدواتها الثقيلة في متناول أي تصعيد محتمل. لكن الرسائل الاستراتيجية تُكتب في غرف العمليات، بينما تُعاش الضغوط في غرف النوم والممرات الضيقة ومرافق الخدمة.
الداخل المتعب… خلف الصورة الدعائية
عسكريًا، لا مؤشرات على تراجع القدرات القتالية للحاملة. فهي تحمل تشكيلة متقدمة من الطائرات:
• إف/إيه-18 سوبر هورنت (F/A-18 Super Hornet)
• إف-35 سي لايتنينغ 2 (F-35C Lightning II)
• إي إيه-18 جي غراولر (EA-18G Growler)
• إي-2 دي هوك آي (E-2D Hawkeye)
هذه المنظومة تمنح الحاملة قدرة هجومية ودفاعية هائلة، تشمل التفوق الجوي، الحرب الإلكترونية، والإنذار المبكر.
لكن الصورة التي تلتقطها الكاميرات للطائرات وهي تقلع وتهبط لا تُظهر التعب المتراكم داخل السفينة. تقارير إعلامية تحدثت عن بحارة اضطروا لتفويت حفلات زفاف، وولادات أطفالهم، وحتى جنازات أقاربهم بسبب تمديد الانتشار. بعض المصادر أشارت إلى ارتفاع حالات الطلاق والضغوط النفسية بين أفراد الطاقم.
قائد الحاملة، الكابتن ديفيد سكاروسي، أقر في رسالة موجهة إلى عائلات البحارة بأن التمديد المتكرر أثر بوضوح على الحياة الشخصية للطاقم، مع تأكيده في الوقت ذاته على الالتزام بالواجب الوطني.
تكلفة الأخطاء الصغيرة
قد تبدو أزمة المراحيض تفصيلاً ساخرًا مقارنة بصواريخ وطائرات شبحية، لكنها تكشف عن جانب مهم في إدارة الأنظمة المعقدة: التفاصيل الصغيرة قد تتحول إلى نقاط ضعف كبيرة إذا لم تُختبر بما يكفي في ظروف التشغيل الفعلية.
تقديرات غير رسمية تشير إلى أن معالجة العيوب التصميمية في نظام الصرف قد تستغرق سنوات، وتكلف مئات الملايين من الدولارات. وهو ما يطرح تساؤلات حول وتيرة إدخال التقنيات الجديدة، ومدى خضوعها لاختبارات تحاكي الاستخدام المكثف في بيئة مكتظة مثل حاملة طائرات.
هل كان التركيز منصبًا بشكل أكبر على أنظمة القتال المتقدمة، على حساب أنظمة الحياة اليومية؟ وهل يمكن اعتبار ما يحدث مجرد “آلام نمو” طبيعية في جيل جديد من السفن، أم أنه مؤشر على خلل أعمق في آليات التقييم والتجريب؟
بين الردع والواقع
عند النظر إلى “جيرالد فورد” من الخارج، تبدو الصورة مكتملة: حاملة عملاقة، مقاتلات شبحية، أنظمة إلكترونية فائقة التطور، ورسالة ردع واضحة موجهة إلى خصوم واشنطن.
لكن من الداخل، المشهد أكثر تعقيدًا. الأعطال المتكررة، ساعات العمل الطويلة، الضغط النفسي والاجتماعي، كلها عناصر لا تظهر في البيانات الرسمية، لكنها تؤثر بشكل مباشر على الروح المعنوية والجاهزية طويلة المدى.
صحيح أن أزمة الصرف الصحي لم توقف الطائرات عن الإقلاع، ولم تُعطل المهام القتالية. إلا أنها تذكير بأن القوة العسكرية ليست مجرد صواريخ ومحركات، بل منظومة بشرية كاملة، تحتاج إلى توازن دقيق بين التكنولوجيا والاحتياجات اليومية.
رسالة مزدوجة
وجود الحاملة قرب إيران يحمل رسالة استراتيجية إلى الخارج. لكن الأزمة الداخلية تحمل رسالة أخرى إلى الداخل الأمريكي وصنّاع القرار: التطوير التقني لا يكتمل دون اختبار شامل، وإدارة الانتشار العسكري تتطلب حسابات تتجاوز الخرائط والسيناريوهات الجيوسياسية.
في زمن تتسابق فيه القوى الكبرى على التفوق العسكري، قد تبدو أزمة مراحيض تفصيلاً ثانويًا. لكنها في الحقيقة تكشف هشاشة التفاصيل داخل أعقد المنظومات في العالم. فحين تعيش مدينة عائمة تضم 4600 إنسان فوق بحر متقلب، تصبح إدارة الحياة اليومية جزءًا لا يتجزأ من معادلة الردع.
“جيرالد فورد” لا تزال قادرة على تنفيذ مهامها. لكن قصتها الحالية تذكر بأن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بمدى الطائرات وصواريخها، بل أيضًا بقدرة النظام بأكمله على الصمود… في أصغر اختباراته اليومية.










