وفد طهران يقدم مرونة غير مسبوقة ضمن حدودها الحمراء في جولة التفاوض الثالثة بجنيف، وسط ضغوط أمريكية متصاعدة وخطر تصعيد إقليمي محتمل
طهران – المنشر الإخبارى
في الوقت الذي تستمر فيه الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، يعود الصراع القديم حول البرنامج النووي لجمهورية إيران الإسلامية إلى واجهة الأحداث الدولية، وسط محاولة دبلوماسية حثيثة لتخفيف التوتر القائم منذ عقود، بينما لا تزال المخاوف من تصعيد عسكري تحوم في الأجواء.
طهران تتشبّث بخطوطها الحمراء وتقدّم “مرونة محسوبة”
ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية إرنا أن الوفد الإيراني المفاوض دخل جولة الحوار بحزمة مقترحات تتضمن أقصى درجات المرونة الممكنة ضمن “الخطوط الحمراء الإيرانية”، وذلك في محاولة لمعالجة المخاوف الأمريكية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وفق ما نقلته الوكالة الرسمية.
ورغم أن إيران تؤكد حرصها على التوصل إلى اتفاق نووي، فقد حذّرت إرنا من أن فشل المفاوضات في الجولة الحالية قد يدفع الأوضاع نحو تصعيد خطير، في إشارة صريحة إلى حساسية الملف واحتمالات عواقب غير مرغوبة في حال تعثر الحوار.
السياق الدولي: دبلوماسية وسط تصعيد عسكري
تجري المفاوضات في ظل توتر متصاعد في منطقة الشرق الأوسط، حيث عززت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في المنطقة، بما في ذلك وجود وحدات بحرية وجوية كبيرة في محيط الخليج، مع استمرار الضغوط على إيران لمنعها من تطوير قدرات نووية أخرى.
وتسمح الجولة الحالية بوجود وسيط عُماني يقوم بنقل المقترحات بين الطرفين، بينما يتابع المجتمع الدولي بقلق بالغ نتائج هذه المحادثات التي تعكس إرهاصات ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على تجاوز عقبات طويلة الأمد، أو إذا كانت تتجه نحو مسارات حرب جديدة.
تفاصيل المقترحات الإيرانية… ما الذي تغيّر؟
أفادت تقارير أن الوفد الإيراني قدّم مقترحات جديدة تتعلق بالبرنامج النووي السلمي خلال جولة المحادثات في جنيف، وحرصت الوكالة الإيرانية على التأكيد أن هذه المقترحات مصممة لتبديد المخاوف الأمريكية بشأن السلمية الكاملة للبرنامج.
ولم تكشف إيران عن تفاصيل دقيقة للمقترحات، لكن المصادر الرسمية أشارت إلى أنها سُلِّمت عبر وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي إلى الجانب الأمريكي، في خطوة يرى بعض المحللين أنها تهدف إلى اختبار جدية واشنطن في استئناف المسار الدبلوماسي.
بين الجدية والشك… الطرفان لا يزالان ثابتين
من جانبها، أشارت مصادر غربية إلى أن الحديث الأمريكي عن مطالب جديدة خارج إطار البرنامج النووي الإيراني، مثل القدرات الصاروخية الباليستية، قد يعقّد الملف أكثر، حيث يصرّ الجانب الأمريكي على التقيّد بالقيود الصارمة على إيران، بينما تعتبر طهران هذه المطالب غير قابلة للتفاوض.
كما أن هناك تقارير إعلامية تتناول اختلاف وجهات النظر بين طهران وواشنطن حول التفاصيل التقنية لاتفاق محتمل، ما يظهر أن المسافة بينهما لا تزال واسعة رغم الانفتاح النسبي في صياغة المقترحات.
الشارع الإيراني والقلق من احتمال الحرب
في الداخل الإيراني، يترقب المواطنون نتائج جولة جنيف بترقّب ملموس، وسط مخاوف من اتجاه الأحداث نحو خيار عسكري بدلاً من حل دبلوماسي. يرى البعض في الأسواق والمقاهي أن فرص الاتفاق ضعيفة نظرًا للمطالب الأمريكية التي يصفها البعض بأنها غير منطقية، بينما يعتقد آخرون أن قوة إيران العسكرية قد تمنع أي هجوم مباشر.
وتتراوح آراء الشارع بين أمل في اتفاق يُخفّف الضغوط الاقتصادية والسياسية، وبين خشية من تصعيد مفاجئ يعيد سيناريو ضربة مباغتة كما حدث سابقًا في يونيو/حزيران الماضي.
الدور العماني والمراقبة الدولية
يلعب الوسيط العماني دورًا مهمًا في نقل المقترحات وتنظيم الحوار بين الوفدين، ما يعكس رغبة دول إقليمية في تجنب صدامات مفتوحة وتخفيف حدة التوتر. وقد شارك في المفاوضات أيضًا ممثلون عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كمراقبين تقنيين، في محاولة لضمان النزاهة والمصداقية في الحوار.
كما أن هناك تركيزًا دوليًا واسعًا على هذه الجولة من المفاوضات، في ظل تحذيرات من أن فشلها قد يعيد المنطقة إلى مناخ أكثر قتامة، مع مخاطر امتداد التوتر إلى نطاقات أوسع تشمل دولاً عدة.
الرهانات الأمريكية: ماذا تريد واشنطن؟
يركز الجانب الأمريكي على ضرورة أن يقدم الاتفاق ضمانات تقيد أنشطة إيران النووية، بما في ذلك الحد من تخصيب اليورانيوم إلى مستويات لا تسمح بتطوير سلاح نووي، إلى جانب آليات مراقبة صارمة وطويلة الأمد. وفي الوقت نفسه يطالب بعض المسؤولين الأمريكيين بإعادة النظر في قدرات إيران الصاروخية.
وتشير مصادر غربية إلى أن الولايات المتحدة تعتبر هذه الجولة “فرصة أخيرة” لتفادي الحرب، وقد وضعت سقفًا زمنيًا صارمًا أمام إيران للتوصل إلى اتفاق قبل التفكير في خيارات أخرى، بما في ذلك العمل العسكري.
التوازنات الداخلية في إيران
داخل النظام الإيراني، هناك خطاب يجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والاستعداد العسكري. تؤكد طهران أنها تبحث عن اتفاق “منصف ومتوازن”، لكنها في الوقت نفسه تشدّد على أن قدراتها الدفاعية ليست موضع تفاوض، فيما ترى أن رفع العقوبات بشكل كامل شرط أساسي لأي التزام جانبي.
ويعبّر بعض الخبراء في طهران عن رأي مفاده أن التمسك بالحقوق النووية السلمية لا يعني التراجع عن الدفاع الوطني، وهو ما يجعل الخطاب الإيراني في المفاوضات قائمًا على مبدأ احترام السيادة دون التنازل عن مبادئ أساسية.
سيناريوهات المستقبل: اتفاق أم مواجهة؟
قد تنتج عن هذه المفاوضات عدة سيناريوهات:
اتفاق تدريجي يقود إلى تخفيف العقوبات مقابل ضمانات مراقبة صارمة.
اتفاق شامل يعيد الأطراف إلى طاولة تفاهم أوسع بعد سنوات من التوتر.
تعثر سياسي يؤدي إلى توتر إضافي وربما تصعيد عسكري مفتوح.
ومع استمرار الضغوط الميدانية، يبقى الخيار الدبلوماسي موضع اختبار حقيقي، حيث تعمل كل من طهران وواشنطن على استكشاف حدود التنازلات الممكنة دون انهيار الحوار كله.
خلاصة الموقف: توازن هش في لحظة مفصلية
تبدو الجولة الحالية من مفاوضات جنيف لحظة حاسمة في العلاقة الأمريكية–الإيرانية، حيث تقدم إيران مقترحات مرنة ضمن خطوطها الحمراء، في حين تضغط واشنطن لضمان القيود والضمانات المطلوبة. وفي الوقت الذي يعبر فيه الشارع الإيراني عن مخاوفه من احتمال الحرب، يبقى الدبلوماسيون على طاولة الحوار في جنيف يحاولون إبقاء المفاوضات على قيد البقاء، وتفادي السيناريو الأسوأ: الصراع العسكري.










