بغداد – المنشر الإخباري، 26 فبراير 2026: في وقت تشهد فيه العلاقات الإقليمية نقاشات مستمرة حول ملفات الحدود والممرات المائية، عاد مقطع فيديو قديم لعضو مجلس الأمة الكويتي السابق عبد الله النفيسي “اسقط عنه الجنسيةالكويتية”، ليتصدر منصات التواصل الاجتماعي في العراق بشكل واسع.
الفيديو الذي تم تداوله بآلاف المشاركات، تضمن قراءة تاريخية “مثيرة للجدل” قدمها النفيسي حول الوضع الإداري للكويت خلال العهد العثماني، وعلاقتها بولاية البصرة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
الكويت تلجأ إلى بريطانيا لحل أزمة خور عبدالله مع العراق
النفيسي يفتح “صندوق الوثائق” العثمانية
تداول الجمهور العراقي مقاطع مجتزأة ومطولة من مقابلات سابقة للنفيسي (أبرزها مع الإعلامي عمار تقي)، يظهر فيها النفيسي وهو يتحدث بلغة توثيقية عما يصفه بـ”الحقيقة التاريخية التي لا يمكن القفز فوقها”.
وأشار النفيسي في حديثه إلى أن الكويت، وفقا للتنظيم الإداري للدولة العثمانية، كانت تصنف كـ “قضاء” أو “سنجق” تابع إداريا وماليا لولاية البصرة.
ولم يكتف النفيسي بالحديث عن التبعية الإدارية، بل ذهب إلى تفاصيل أكثر حساسية، مؤكدا أن حكام الكويت في تلك الفترة (القائمقام) كانوا يتقاضون رواتبهم بانتظام من والي البصرة، وأن تعيينهم كان يصدر بفرمانات عثمانية عبر بوابة الولاية العراقية الجنوبية.
“الرشاوى والوثائق”: رواية النفيسي عن مبارك الكبير
النقطة الأكثر إثارة للجدل في الفيديو المنتشر، كانت إشارة النفيسي إلى وثائق عثمانية زعم أنها تثبت قيام الشيخ مبارك الصباح (مبارك الكبير) بدفع مبالغ مالية أو ما وصفه بـ”الرشاوى” لمسؤولين عثمانيين في ولاية البصرة.
تعديل وزاري في الكويت 2026.. بوفتين للإعلام وبودي للتجارة والشيخ جراح الصباح للخارجية
ووفقا لرواية النفيسي، فإن هذه التحركات كانت تهدف إلى تعزيز مركز الشيخ مبارك كقائم مقام للكويت وتثبيت حكمه في ظل التوازنات القلقة بين الدولة العثمانية والقوى القبلية المحلية.
واعتبر النفيسي أن هذه الحقائق هي جزء من تاريخ المنطقة الذي يجب أن يقرأ بعيدا عن العواطف السياسية الحديثة، واصفا الكويت في ذلك الوقت بأنها كانت “امتدادا طبيعيا وجغرافيا لولاية البصرة”.
اتفاقية 1899.. نقطة التحول من “القضاء” إلى “الحماية”
في المقاطع المتداولة، يشرح النفيسي كيف تحول المسار التاريخي للكويت من “قضاء عثماني” تابع للبصرة إلى كيان سياسي مستقل. وأرجع ذلك إلى الذكاء السياسي للشيخ مبارك الصباح الذي أدرك ضعف الدولة العثمانية وتزايد الأطماع الإقليمية، مما دفعه لتوقيع معاهدة الحماية البريطانية عام 1899.
“خور عبد الله” يفجر استقالات جماعية داخل المحكمة الاتحادية العراقية
وبحسب النفيسي، فإن هذه الاتفاقية هي التي فصلت الكويت فعليا عن الإدارة العثمانية في البصرة، ومنحتها غطاء دوليا (بريطانيا) حال دون ضمها المباشر للولاية أو خضوعها التام للنفوذ العثماني المتزايد، وهي الخطوة التي مهدت لاحقا لاستقلال الكويت الحديث عام 1961.
السياق التاريخي: ما بين الحقيقة الإدارية والحكم الذاتي
يرى مؤرخون أن ما ذكره النفيسي يستند إلى وقائع إدارية مسجلة في “السالنامات” العثمانية (الكشوف الرسمية)، حيث كانت الكويت تدرج فعليا كقضاء تابع للبصرة.
القاهرة تعرض استضافة حوار ثلاثي لحل خلاف خور عبد الله بين العراق والكويت
إلا أن هؤلاء المؤرخين يوضحون أيضا أن هذا التوصيف كان غالبا “رسميا على الورق”، بينما كانت الكويت تتمتع بـ “حكم ذاتي واسع” وتدير شؤونها الداخلية عبر آل الصباح بعيدا عن التدخل المباشر من ولاة البصرة، وهو وضع كان شائعا في أطراف الدولة العثمانية.
للوهلة الأولى، قد يبدو في ما يطرحه النفيسي مادة للتشكيك في سيادة الكويت ومشروعية استقلالها. غير أن المدقق في الحقائق التاريخية يجد أن كثيرا مما يقوله يستند إلى أسس أكاديمية موثقة، وإن كان التوظيف السياسي لهذه الحقائق شأنا آخر مختلف تماما.
فمن الثابت تاريخيا أن منطقة الكويت دخلت في نطاق الإدارة العثمانية التي باتت تسيطر على المنطقة العربية منذ القرن السادس عشر، وأن التنظيم الإداري العثماني في أواخر القرن التاسع عشر، وفق ما أرسته إصلاحات التنظيمات، جعل من الكويت وحدة إدارية تندرج ضمن ولاية البصرة.
وقد كان آل الصباح يتمتعون بنفوذ فعلي وحكم ذاتي واسع النطاق داخل هذا الإطار، بما يشبه علاقات الأمارات شبه المستقلة التي تقبل الهيمنة الرسمية من الخارج دون أن تتنازل عن صلاحياتها الداخلية الجوهرية.
وقد منحت الدولة العثمانية الشيخ محمد بن صباح لقب قائم مقام عام 1871، وهو ما يعد توثيقا رسميا للتبعية الإدارية التي يتحدث عنها النفيسي، وإن كان هذا اللقب في تلك الحقبة لم يكن يعني سلطة مطلقة للولاية على شؤون الكويت الداخلية.
ومعاهدة 1899 ليست خرافة بل هي وثيقة تاريخية موثقة تجسد الدهاء السياسي لمبارك الكبير الذي وجد في الحماية البريطانية درعا يصون به إمارته من الأطماع العثمانية المتجددة والتطلعات الألمانية في المنطقة التي كانت تغذيها صفقة مد خطوط السكك الحديدية نحو الخليج.
إشكالية التوظيف السياسي للتاريخ
تكمن الإشكالية الحقيقية ليس في الوقائع التاريخية ذاتها، بل في الكيفية التي يجري بها توظيفها في الفضاء العام. فمقاطع النفيسي حين تنتشر في الأوساط العراقية، كثيرا ما تقتطع من سياقها الأكاديمي الأصيل وتحشر في معارك النزاعات الحدودية القائمة، ولا سيما ملف خور عبد الله الذي ظل شرارة متجددة لاحتكاكات دبلوماسية متكررة بين بغداد والكويت.
وهذا التوظيف الانتقائي للتاريخ خطير بطبيعته، لأنه يفضي إلى استنتاجات مغلوطة مفادها أن الكويت كانت “محافظة عراقية” يجب أن تعود إلى حضن الدولة العراقية، وهو ادعاء لا يصمد أمام أي تمحيص قانوني أو تاريخي جاد.
فالإدارة العثمانية التي كانت تربط الكويت بالبصرة لم تكن تربطها بـ”العراق”، ذلك الكيان السياسي الذي لم يولد أصلا إلا عام 1920 في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني، أي بعد أن كانت الكويت قد أرست دعائم استقلالها الفعلي منذ معاهدة 1899.
وعليه، فإن القفز مباشرة من “قضاء تابع لولاية البصرة العثمانية” إلى “جزء من العراق” قفز فوق فجوة تاريخية لا تقل عن عقود طويلة من التحولات السياسية والجغرافية العميقة.
تداعيات على المشهد السياسي الراهن
لا تأتي إعادة تداول هذه المقاطع في فراغ، بل تتناسل في سياق العلاقات العراقية الكويتية التي شهدت فصولا من التوتر والانفراج المتعاقبين منذ صدمة الغزو العراقي عام 1990 وما أعقبها من عملية إعادة رسم الحدود الدولية. ولا يزال خور عبد الله بؤرة حساسة، والملاحة فيه محل جدل متقطع بين البلدين، ما يجعل أي إشعال تاريخي في هذا الفضاء يحمل احتمالات التوتر وإرباك الجهود الدبلوماسية الهادئة.
ويرى المحللون أن الخطر الحقيقي في انتشار هذه المقاطع يكمن في تغذية نزعات شعبوية تستعيد أوهام التوسع الإقليمي التي طالما كلفت المنطقة باهظا من التنمية والاستقرار. فالتاريخ الموظف سياسيا يبيض الطموحات ويضفي عليها شرعية زائفة تنبثق من رحم حقائق انتزعت من سياقها وأسيء تفسيرها.
تفاعل عراقي واسع: بين التوظيف السياسي والقراءة التاريخية
شهد الشارع الرقمي في العراق انقساما في التعاطي مع هذه التصريحات، وإن غلب عليها طابع “الاحتفاء” من قبل بعض التيارات التي تستخدم هذه المقاطع في النقاشات الدائرة حول “خور عبد الله” والحدود البحرية.
الفريق الأول: اعتبر تصريحات النفيسي “شهادة من أهلها”، مستخدمين عبارات مثل “الكويت كانت قضاء تابعا للبصرة” لتعزيز وجهات نظر تاريخية ترى في الكويت جزءا من النسيج الإداري العراقي القديم.
الفريق الثاني: دعا إلى الحذر من توظيف هذه المقاطع لإثارة الفتن بين الشعبين الجارين، مؤكدين أن التاريخ الإداري العثماني كان معقدا وأن الدول الحديثة استمدت شرعيتها من اعترافات دولية ومعاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وليس من “الفرمانات السلطانية”.
لماذا الآن؟
يأتي انتشار هذا الفيديو في توقيت حساس، حيث يتفاعل الجمهور العراقي مع قضايا السيادة والمنافذ المائية. ويقدم النفيسي دائما في هذه المقاطع كشخصية كويتية “صريحة ومثقفة”، مما يمنح كلامه مصداقية مضاعفة لدى المشاهد العراقي، كونه يتحدث عن “حقائق” قد يراها البعض محرجة في السياق الرسمي الكويتي.
في النهاية، تظل تصريحات عبد الله النفيسي مادة دسمة للسجال لا تنتهي، فهي تفتح جروح التاريخ وخرائط الإدارة العثمانية، وتعيد صياغة الأسئلة حول هوية الحدود والروابط التاريخية التي تجمع البصرة بالكويت، بعيدا عن لغة الدبلوماسية الرسمية.











