كيف يحمي النظام السياسي الأمريكي الدولة من انفجار مفاجئ يقضي على قيادتها؟
واشنطن- المنشر الإخبارى
في مشهد يبدو أقرب إلى سيناريو فيلم هوليوودي عن “نهاية العالم السياسي”، أعلنت تقاليد قديمة أن وزير شؤون المحاربين القدامى الأميركي دوغ كولينز كان موجودًا خارج مبنى الكابيتول خلال خطاب “حالة الاتحاد” الذي ألقاه الرئيس دونالد ترامب أمام الكونغرس، ليكون ما يُعرف بـ “الناجي المعيّن” (Designated Survivor) — الرجل الذي يمكن أن يتولى قيادة الولايات المتحدة فورًا في حال وقوع كارثة مفاجئة تقضي على جميع قادة الدولة الحاضرين داخل القاعة.
هذا التقليد الذي يعود جذوره إلى الحرب الباردة، قد يبدو للوهلة الأولى إجراءً بروتوكوليًا تقليديًا، لكنه في حقيقة الأمر أحد أقوى الأسلحة السياسية التي تضمن استمرارية الحكم في الولايات المتحدة في أسوأ السيناريوات الممكنة — من هجوم إرهابي ضخم يستهدف مقر الحكومة وحتى حادث نووي أو كارثة طبيعية غير متوقعة.
ما هو “الناجي المعيّن”؟ تقليد سياسي في قلب النظام الأمريكي
تعود فكرة “الناجي المعيّن” إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت المخاوف من هجوم نووي شامل على واشنطن في ذروتها. في تلك الفترة، بدأ القادة السياسيون الأمريكيون يفكرون في آلية تضمن بقاء القيادة السياسية قادرة على العمل حتى لو دُمِّرت مؤسسات الدولة فجأة.
الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة من حيث تداعياتها: يتم اختيار فرد من أعضاء الحكومة يكون بعيدًا عن مكان التجمعات الكبرى، مثل خطابات حالة الاتحاد أو حفلات التنصيب الرئاسي، ويتم إبقاؤه في موقع آمن وسري، جاهزًا لتولي السلطة فورًا إذا ما تعذر على أي مسؤول آخر القيام بذلك.
خلال هذه الأحداث، يجتمع الرئيس ونائب الرئيس وأعضاء مجلس الوزراء وقادة الكونغرس في نفس المكان في وقت واحد — وهو وضع استراتيجي عالي الخطورة. لذلك تم إنشاء هذا المنصب شبه الرسمي للتأكد من أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل خارج دائرة الاستهداف الممكنة يمكنه أن يتولى الرئاسة في حال لزم الأمر.
دوغ كولينز.. من هو الرجل الذي ربما يقود أمريكا فجأة؟
في خطاب “حالة الاتحاد” عام 2026، غاب عن القاعة وزير شؤون المحاربين القدامى دوغ كولينز، الذي اختاره الرئيس ترامب ليكون الناجي المعيّن لهذا العام.
كولينز الذي يشغل منصب وزير شؤون المحاربين القدامى هو واحد من كبار أعضاء الحكومة الأمريكية، ووجوده خارج القاعة لم يكن صدفة، بل كان قرارًا متعمداً وفق ترتيبات سرية لضمان بقاء أحد القادة المؤهلين لتولي الحكم في أسوأ السيناريوات.
وفق التقاليد الأمنية الأمريكية، ينقل الناجي المعيّن تحت حراسة مشددة إلى موقع محصّن غير معلن، وغالبًا ما يكون هذا الموقع في نطاق قريب من واشنطن ولكنه بعيد بما يكفي عن خطر استهداف القادة المشاركين في الفعالية الرسمية، مثل خطاب حالة الاتحاد.
القواعد والدستور: لماذا لا يوجد منصب رسمي؟
الغريب في الأمر أن الدستور الأمريكي لا يذكر منصب “الناجي المعيّن” بشكل صريح، كما أنه لا يتضمن في نصوصه أي تعريف أو آلية تفصيلية لاختيار هذا الشخص أو متى يتولى السلطة. النظام الحالي يعتمد بشكل كبير على تقليد سياسي متراكم عبر عقود، وتعاون بين البيت الأبيض ووزارة الأمن الداخلي ووكالات الاستخبارات لضمان وجود شخصية واحدة مؤهلة تدير شؤون البلاد في حالة انعدام القيادة التنفيذية.
القانون الأساسي الذي يحدد ترتيب الخلافة هو التعديل العشرون للدستور الأمريكي، بالإضافة إلى قانون الخلافة الرئاسية لعام 1947. وفق هذه النصوص، يتولى منصب الرئاسة أولاً نائب الرئيس، ثم رئيس مجلس النواب، ثم رئيس مجلس الشيوخ المؤقت، ثم الوزراء وفق ترتيب وزارات محدد.
لكن التقليد الأمني لم يتوقف عند النصوص القانونية فحسب، بل تم توسيعه عبر سنوات عديدة ليشمل اختيار شخص محدد خارج الأحداث. هذا الشخص، في حال حدوث كارثة مروعة، يتولى السلطة فعليًا كـ رئيس للولايات المتحدة بسلطات كاملة حتى يتم إقرار خلافة رسمية بموجب الدستور.
تاريخ طويل من الناجين المعينين: من ريغان إلى ترامب
الآلية الأمنية الحالية لم تظهر فقط في السنوات الأخيرة، بل هي نتاج إرث يمتد لعقود:
في ثمانينيات القرن الماضي، اختار الرئيس الراحل رونالد ريغان وزير التعليم آنذاك تيريل بيل ليكون أول “ناجي معيّن” معلن خلال خطاب حالة الاتحاد، مؤطرًا هذا الإجراء كجزء من منظومة الحماية الوطنية.
منذ ذلك الوقت، أصبح اختيار الناجي المعيّن تقليدًا ثابتاً في الخطابات الكبرى، لا سيما في مناسبات مثل خطابات حالة الاتحاد أو حفلات التنصيب الرئاسي. وخلال السنوات الأخيرة التي شهدت فيها السياسة الأمريكية توترًا متزايدًا وجدلًا داخليًا واسعًا، لوحظ أن هذا التقليد يتم تطبيقه بشكل أكثر انتظامًا ودقة.
خلال ولاية ترامب السابقة، شغل هذا الدور عدد من الوزراء، منهم ديفيد شولكين في عام 2017، وسوني بيردو في 2018، وريك بيري في 2019، وديفيد برنهاردت في 2020. وفي مارس 2025، كان دوغ كولينز نفسه هو الناجي المعيّن خلال خطاب آخر أمام الكونغرس في مستهل ولاية ترامب الثانية.
تحت الحراسة.. أين يختفي الناجي المعيّن؟
ما يثير الفضول هو أن مكان وجود الناجي المعيّن يظل سريًا بالكامل، ولا يتم الإفصاح عنه حتى نهاية الفعالية الرسمية. وتُشدد الأجهزة الأمنية فيما بعد على عدم الكشف عن موقعه أو تفاصيل حركته، لضمان عدم القدرة على استهدافه في حال وقوع طارئ.
بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، تم تشديد الإجراءات الأمنية، وأصبح النقل الآمن للناجي المعيّن يتم عبر حراسة استخباراتية مشددة، وعدم الإفصاح عن موقعه أصبح جزءًا من بروتوكولات الأمن القومي. غالبًا ما يكون مكان وجوده في منطقة محصنة على مقربة من واشنطن، مما يضمن إمكانية انتقاله بسرعة إلى العاصمة في حال الحاجة إلى تفعيل دور الرئيس.
لماذا لا يُفعّل السيناريو في التاريخ الأمريكي الحديث؟
على الرغم من وجود الناجي المعين في كل فعالية كبرى، لم يتطلب التاريخ الأمريكي الحديث تفعيل هذا السيناريو رسميًا. لم تقع أي كارثة تلقى القيادة السياسية بأكملها في دائرة العجز في نفس الوقت، سواء بسبب أحداث إرهابية أو حوادث طبيعية.
لذلك يظل هذا المنصب الطارئ مجرد احتياط دستوري موجه لمواجهة أسوأ الاحتمالات، لكنه لم يُختبر في الواقع الفعلي. ومع ذلك، فإن وجود النظام يعطي رجال الدولة ثقة بأن هناك خطة واضحة لاستمرارية الحكم في حال وقوع ما لا يُتوقع.
ما يحدث في حال وقوع كارثة كبرى؟
إذا ما تعرض مبنى الكابيتول لهجوم إرهابي أو حادث كارثي أدى إلى عجز جميع المسؤولين الموجودين في القاعة عن أداء واجباتهم، يصبح الناجي المعيّن هو أول من يتولى السلطة التنفيذية بكامل صلاحياتها.
في تلك اللحظة، تنفذ جميع أحكام الخلافة حسب تسلسل الدستور الأمريكي، ويجري إعلان رسمي للناجي المعين كرئيس مؤقت. وهو بذلك يتولى قيادة وزارة الدفاع والقوات المسلحة، ويتولى اتخاذ القرارات المصيرية التي تضمن أمن البلاد واستقرارها.
هذه الخطة لم تكن مجرد إجراء تنظيمي، بل صُممت لاستيعاب السيناريوات الأكثر تطرفًا — من هجمات نووية إلى أوبئة واسعة أو حتى أغتيالات متزامنة لمسؤولي الدولة.
النظام من منظور أمني وسياسي
من الناحية الأمنية، يمثل هذا التقليد أحد أهم خطوط الدفاع الوطني الذي تضمن استمرارية السلطة. فبدون خطة واضحة لاستبدال القادة في اللحظة الحرجة، قد تواجه الولايات المتحدة انهيارًا في مؤسساتها قد يؤدي إلى فراغ دستوري حقيقي في وقت حرج.
سياسيًا، إن وجود “الناجي المعيّن” يعكس إدراكًا عميقًا لدى صناع القرار في واشنطن بأن الاستقرار الحكومي لا يمكن أن يكون رهين المصادفة. ومن هنا جاء تطوير هذا النظام الذي يدمج بين الإجراء الأمني والآلية الدستورية لضمان السيطرة على الموقف في حال أسوأ الاحتمالات.
رسائل وراء الكواليس
رغم أن الإعلام عادة ما يتناول خطاب “حالة الاتحاد” بأكمله، إلا أن جزءًا كبيرًا من الجدل والتخطيط يحدث خلف الكواليس. اختيار من سيكون “الناجي المعيّن” يتم غالبًا بالتشاور بين الرئيس ورئيس أركان البيت الأبيض ومستشاري الأمن القومي.
هذه المناقشات تشمل تقييمًا للعوامل المختلفة، مثل:
• المؤهلات الدستورية للشخص
• قدرته على قيادة البلاد في أزمة
• قرب الشخص من الخبرات السياسية والعسكرية الضرورية
• ضمان استمرارية عمل المؤسسات الحكومية
وغالبًا ما يتم اختيار شخص تجمع بين الخبرة والاحترام السياسي، فضلاً عن قدرته على التعاطي مع الأزمات الكبرى.
ختامًا: بين الدستور والتقليد الأمني
ترمز قصة “الناجي المعيّن” إلى إحدى أغرب وأهم آليات حماية الدولة في الولايات المتحدة — مزيج من تقاليد الحرب الباردة، معايير الأمن القومي، والحاجة إلى ضمان استمرار الحكم في مواجهة السيناريوات الأخطر.
في الوقت الذي يراقب فيه العالم خطابات مثل “حالة الاتحاد” باعتبارها لحظات رمزية في السياسة الأمريكية، يكشف هذا النظام عن عمق التخطيط الإستراتيجي الذي لا يظهر على السطح، وأهمية وجود خطط احتياطية تضمن بقاء الدولة حتى في أسوأ الظروف.
ولأن التاريخ الأمريكي الحديث لم يشهد تفعيل هذا المنصب فعلاً، يبقى “الناجي المعيّن” — مثل دوغ كولينز — رمزاً لما يمكن أن يحدث إذا تحولت الكارثة إلى واقع، وكيف ستواجه أعرق الديمقراطيات في العالم أسوأ اللحظات السياسية والأمنية… بثبات منظم وبدون فراغ في السلطة.











