مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، جدل يحيط بقاعدة لبنانية صغيرة في شمال البلاد
بيروت – المنشر الإخباري
في بلدة حامات الساحلية بقضاء البترون شمال لبنان — على مسافة نحو 50 كيلومترًا من بيروت — برزت منشأة عسكرية كانت حتى وقت قريب تُذكر في الأخبار المحلية فقط حين يذكر اسم القوات الجوية اللبنانية. لكن في الأسابيع الأخيرة، تحولت قاعدة حامات الجوية إلى موضوع جدل إعلامي وسياسي كبير، أزمة لا تقل وطأة عن تلك التي تعرفها العاصمة بيروت نفسها، ولم يعد الأمر مجرد قضايا داخلية أو نشاطات روتينية، بل ارتبط بالتصعيد الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، وتساءل كثيرون إن كانت القاعدة ستُدرج ضمن “أهداف محتملة” في أي مواجهة وشيكة.
أحدث الجدل انطلاقًا من تقرير مصوّر بثته قناة العالم الإيرانية، أعادت فيه تسمية القاعدة كموقع “أمريكي” محتمَل، وجعلتها جزءًا من ما وصفته بـ”بنك أهداف محتمل”، ما أثار موجة تفاعلات على الصعيدين الإعلامي والسياسي في لبنان وخارجه. وقد رافق ذلك حديث عن حادثة طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في محيط القاعدة، ما زاد التكهنات والتوترات.
وسط هذا السجال، أكدت السلطات اللبنانية رسميًا أن قاعدة حامات الجوية منشأة عسكرية لبنانية تابعة للقوات الجوية في الجيش اللبناني، وتخضع لجميع الأحكام والمراقبة اللبنانية، ولا تقع تحت إدارة أو سلطة عسكرية أجنبية. يعود تاريخها إلى ستينيات القرن الماضي، وهي جزء من منظومة الدفاع الوطني، وليست منشأة عسكرية متعددة الولاءات كما زعمت بعض الوسائل الإعلامية.
لكن ما الذي يجعل قاعدة صغيرة في الشمال محورًا للنقاش، وما حقيقة الأنباء المنتشرة عنها؟ ولماذا أثار ذكرها هذا الزخم الإعلامي والسياسي؟ هذا ما سنحاول كشفه في تحقيقنا التالي — تقرير موسّع، مثير، ومليء بال التفاصيل السياسية والعسكرية والتاريخية.
من البداية: كيف نشأت قاعدة حامات الجوية؟
من الصعب فصل تاريخ القاعدة عن تاريخ لبنان نفسه. في ستينيات القرن العشرين، أنشئت في حامات منشأة جوية صغيرة ضمن مخطط للطيران المحلي، أطلق عليها حينها اسم مطار بيار الجميّل، ولم تكن تجذب انتباهًا يذكر خارج دائرة الطيران الخفيف.
لم يُصمم المطار ليكون منشأة مدنية لاستضافة الرحلات التجارية، بل كان محض موقع تقني لبعض الاستخدامات المتواضعة. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تراجع أي استخدام مدني، وخرج من الخدمة العامة، ليصبح في السنوات اللاحقة جزءًا من التحركات العسكرية في شمال لبنان، وخاصة خلال الوجود السوري بين عامي 1976 و2005.
في تلك الفترة، كان الموقع يستخدم للمروحيات التابعة للجيش السوري في سياق السيطرة العسكرية، ولم يبرز كمعلم مهم ذا حضور شعبي أو إعلامي، بل ظل منشأة هامشية ضمن بنية الطيران العسكري في البلاد.
بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، تولّت الدولة اللبنانية السيطرة الكاملة على الموقع، وأعيد تنظيمه تحت اسم قاعدة حامات الجوية، لتصبح جزءًا من القوات الجوية التابعة للجيش اللبناني وتدار بالكامل تحت إشراف وزارة الدفاع والقيادة العسكرية.
القواعد الجوية في لبنان: حامات ضمن منظومة أصغر من بيروت ورياق
قاعدة حامات ليست المنشأة الجوية الوحيدة في لبنان، فهناك أيضًا:
• قاعدة بيروت الجوية ضمن مطار رفيق الحريري الدولي في ضواحي العاصمة.
• قاعدة رياق الجوية في سهل البقاع.
هذه المنشآت الثلاث تشكل منظومة جوية تابعة للجيش اللبناني وتستخدم لأغراض التدريب والنقل والبحث والإنقاذ والإسناد اللوجستي، بالإضافة إلى استقبال المساعدات العسكرية الدولية.
رغم ذلك، بقيت قاعدة حامات الجوية أقل شهرة من باقي القواعد، وعادة ما تذكر فقط عند الحديث عن أنشطة القوات الجوية أو التمارين العسكرية أو وصول المساعدات الأجنبية.
الولايات المتحدة ودعم الجيش اللبناني: تعاون أم وجود؟
تقدّم الولايات المتحدة دعماً عسكرياً متواصلًا للقوات المسلحة اللبنانية منذ سنوات، يشمل التدريب وتوفير التجهيزات التقنية والمعدات، ولا سيما في إطار تعزيز قدرات القوات الجوية.
البيانات الصادرة عن السفارة الأمريكية في بيروت تشير بوضوح إلى أن التعاون يتم “ضمن اتفاقيات دعم وتدريب وبإشراف الجيش اللبناني”، ولا تشير إلى أي شكل من أشكال “وجود عسكري مستقيم” داخل مواقع مثل قاعدة حامات.
فيما يخص الحاملات والطائرات المقدّمة، فقد ورد أن الإدارة الأمريكية قدمت في عام 2018 دفعة من طائرات Super Tucano ضمن دعم عسكري للقوات الجوية اللبنانية، وقد وصلتها عبر هذه القاعدة، ما عزز فقط تصورًا عن دور تقني في التعاون العسكري وليس دوراً مهما سياسياً أو عسكرياً مستقلاً للولايات المتحدة.
الجدل الأخير: تقرير إيراني يربك المعادلة
في خضم التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، بثّت قناة العالم الإيرانية تقريراً مصوراً زعمت فيه أن قاعدة حامات الجوية هي “قاعدة أمريكية”، وأنها مدرجة ضمن “بنك أهداف محتمل” في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران.
وجعل التقرير من القاعدة جزءاً من سيناريو متخيل للصراع المرتقب، محاولاً بذلك تبسيط فكرته على أنها منشأة أمريكية على أراضٍ لبنانية وتسيء إلى السيادة اللبنانية.
هذا التقرير تزامن مع تداول أنباء عن تحليق أو إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في محيط القاعدة، ما عزز من التكهنات الإعلامية حول طبيعة النشاطات في حامات وارتباطها بجهات خارجية، لكن حتى الآن لم يصدر الجيش اللبناني أي توضيح رسمي مفصل بخصوص طبيعة هذه الطائرة أو مصدرها.
الرد الرسمي اللبناني: فوجئوا بالادعاءات وأجابوا بحسم
ردّ وزير الدفاع اللبناني ميشال منسّى بشكل واضح على هذه الادعاءات، مؤكداً أن قاعدة حامات الجوية منشأة عسكرية لبنانية تابعة للقوات الجوية، وتخضع بالكامل للقوانين والأنظمة اللبنانية.
وقال منسّى في بيان رسمي إن:
“قاعدة حامات هي قاعدة جوية لبنانية تابعة للقوات الجوية في الجيش اللبناني، ولا تخضع لأي سلطة خارجية، وكل النشاطات الموجودة تُنفّذ بإشراف وموافقة قيادة الجيش اللبناني”.
وأضاف أنه مثل بقية المواقع العسكرية، تستضيف القاعدة فرقاً تدريبية أجنبية تعمل ضمن الأطر العسكرية اللبنانية وليس تحت أي إدارة خارجية مستقلة.
كما أكّد البيان أن القاعدة تستقبل المساعدات والتجهيزات العسكرية لدعم الجيش اللبناني وفق بروتوكولات تعاون رسمية مع الجهات المانحة، بما في ذلك معدات، أسلحة، وذخائر، مع إشراف مباشر من السلطات اللبنانية.
وتابع منسّى أن بعض التحليلات والسيناريوهات المتداولة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي “تندرج في إطار إثارة الشكوك بدلاً من توضيح الحقائق”، محذراً من أن التفسيرات الخاطئة قد تسيء إلى مصداقية المؤسسة العسكرية اللبنانية ودورها.
ما الذي يجري داخل القاعدة فعلياً؟ المهام اليومية
وفقاً للمعلومات الرسمية، تؤدي قاعدة حامات الجوية مهام عسكرية اعتيادية مرتبطة بالقوات الجوية وتشمل ما يلي:
التدريب وجاهزية الأفراد
قاعدة حامات تعمل كوحدة تدريبية للعناصر الجوية، تجهز الطيارين وفِرق الصيانة على التعامل مع مختلف أنواع الطائرات والعمليات الجوية.
النقل الجوي والدعم اللوجستي
تنطلق من القاعدة طائرات مروحية ولوائح دعم لوجستي، تتحرك ضمن المهمات العسكرية العادية، مثل نقل الأفراد والعتاد أو دعم وحدات الجيش في عمليات من داخل البلاد.
عمليات البحث والإنقاذ
تنفّذ مروحيات من القاعدة مهام بحث وإنقاذ في حالات الكوارث أو الطوارئ، خصوصاً في المناطق الجبلية أو البعيدة عن الطرق الرئيسية.
الدعم الإنساني
شاركت القاعدة في العديد من المهام الإنسانية داخل لبنان، مثل عمليات إطفاء الحرائق أو نقل المواد الطبية واللوجستية في أوقات الأزمات.
لاتوجد حتى الآن أي مؤشرات رسمية على تغيير في وظيفة القاعدة إلى منشأة قتالية ذات طابع خارجي.
حادثة المسيّرة: التفاصيل الغامضة وراءها
تفاصيل الأحداث المتعلقة بالطائرة المسيّرة لم تُكشف بشكل رسمي بعد، لكن الروايات المتداولة تشير إلى أن طائرة بدون طيار شوهدت تحلّق في أجواء البلدة، وأنها لم تكن مزودة بأسلحة، بل كانت طائرة مدنية الطابع بحسب ما نقلته بعض وسائل الإعلام اللبنانية عن رئيس بلدية حامات.
لم يصدر الجيش اللبناني بياناً رسمياً يربط الحادثة بأي نشاط عسكري أو أمني، وبقيت المعطيات مختصرة، ما ترك مساحة واسعة للتكهنات الإعلامية حول خلفيتها، بما في ذلك احتمال ارتباطها بمراقبة أو جمع معلومات، أو كجزء من نشاطات تدريب، أو حتى كحادثة عابرة غير معنية مباشرة بالقاعدة.
السيادة اللبنانية في مواجهة التوتر الإقليمي
التوتر المتصاعد بين الدول الكبرى، ولا سيما في ظل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، جعل أي منشأة عسكرية في المنطقة موضوعًا حساسًا، وقد تصبح نقطة جذب للتقارير التحليلية أو الإثارة الإعلامية.
لكن دعوة وزير الخارجية اللبناني يوسف رعدي لحزب الله لتجنّب الانخراط في أي مواجهة إقليمية، وتحذيره من أن أي مشاركة في صراع أمريكي–إيراني قد يعرّض البنى التحتية اللبنانية، بما فيها القواعد العسكرية، لاستهداف أجنبي، يعكس قلقاً حقيقياً على بلد يعيش بالفعل في منطقة توتر دائم.
لماذا لا يوجد “وجود أمريكي مباشر” في القاعدة؟
البيانات الرسمية اللبنانية وجميع التعديات المتاحة تدعم وجهة نظر موحدة: لا وجود لقوات أمريكية مستقلة أو إدارة أمريكية لأنشطة داخل القاعدة. كل الدعم العسكري الذي تقدّمه الولايات المتحدة يأتي في شكل تدريب ومعدات، وتحت إشراف وتوجيه قيادة الجيش اللبناني.
وفيما يخص النشاطات الأجنبية، فهي جزء من برامج دعم عسكري — مثل برامج التدريب أو تجهيز الوحدات — داخل إطار شراكات رسمية.
أبعاد سياسية وأمنية أوسع
ترسّخ هذه الأزمة التي أثارها تقرير قناة العالم الإيرانية نقطة مهمة في النقاش اللبناني: ما مدى تأثير الإعلام والتحريض السياسي في مضاعفة التوترات الأمنية؟ وكيف يمكن أن تتحول منشأة عسكرية محلية إلى محور تكهنات في السياق الإقليمي؟
الرد اللبناني الواضح والحازم على الادعاءات يؤشر إلى رغبة السلطة في الحفاظ على صورة واضحة عن سيادة الدولة وقدرتها على إدارة ممتلكاتها العسكرية، دون أن تتحول إلى أداة في صراعات إقليمية تتجاوز حدودها.
خاتمة: بين الحقيقة والادعاء
قاعدة حامات الجوية ليست مجرد مطار عسكري صغير في شمال لبنان. هي جزء من منظومة عسكرية لبنانية تخضع لسلطة الدولة وقوانيينها، وتشارك في مهام عسكرية وإنسانية اعتيادية.
الادعاءات التي طالتها في الإعلام الإقليمي أخيراً— بأنها قاعدة أمريكية أو هدف محتمل في صراع دولي— تنتمي إلى سياقات سياسية وتحليلات تأزيمية لا تدعمها الوقائع الرسمية المتاحة.
في عالم تزداد فيه المخاوف من التصعيد العسكري بين قوى كبرى، يمكن أن تصبح أي منشأة عسكرية لبنانية موضوع نقاش وربط سياسي في الإعلام. لكن أمام الحقائق والبيانات الصادرة عن الجيش اللبناني ووزارة الدفاع، يبقى قاعدة حامات الجوية منشأة لبنانية سيادية، تدار وفق القانون وتخدم مصالح الدفاع الوطني، وليس موقعًا عسكريًا متعدد الولاءات كما يُشاع في بعض التقارير.










