الرياض – المنشر الإخباري 26 فبراير 2026: تتجه أنظار العالم الإسلامي اليوم نحو العاصمة السعودية الرياض، التي تستضيف اجتماعاً وزارياً استثنائياً مفتوح العضوية للجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي.
وتأتي هذه الخطوة الدبلوماسية العاجلة، التي تمتد على مدار يومين، استجابةً لتصعيد إسرائيلي غير مسبوق يتمثل في مخططات “الضم الفعلي” لمساحات شاسعة من الضفة الغربية المحتلة، ومحاولات فرض السيادة الإسرائيلية عليها، في مشهد يُنذر بتصفية نهائية لآمال الدولة الفلسطينية المستقلة.
استنفار دبلوماسي في لحظة فارقة
يعكس انعقاد هذا الاجتماع في الرياض حجم القلق الوجودي الذي يساور الدول الـ57 الأعضاء في المنظمة. فصيغة “الاجتماع الاستثنائي مفتوح العضوية” تُشير إلى أن التهديد الإسرائيلي لم يعد مجرد توسع استيطاني روتيني، بل هو تحول بنيوي يهدف إلى تحويل الضفة الغربية من “أرض محتلة” تخضع للقانون الدولي إلى “أجزاء من دولة إسرائيل”، مما ينسف أسس حل الدولتين ويجعل من أي مفاوضات مستقبلية ضرباً من العبث.
وصل وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، اليوم الخميس، إلى مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، في زيارة رسمية تستغرق يومين، للمشاركة في الاجتماع الوزاري الاستثنائي مفتوح العضوية للجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي.
وتكتسب الضفة الغربية أهمية رمزية وجيوسياسية قصوى، كونها القلب الجغرافي للدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس الشرقية. ويرى خبراء أن المخططات الإسرائيلية الحالية تهدف إلى تمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني وتحويل المدن العربية إلى “كانتونات” معزولة محاصرة بالسيادة الإسرائيلية.
خلفية الأزمة: “حكومة الحسم” وتحدي الشرعية
لا ينفصل هذا التصعيد عن طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُعد الأكثر يمينياً وتطرفاً في تاريخ الدولة العبرية. فمنذ تسلمها السلطة، انتقل خطاب “الضم” من الهوامش السياسية إلى صلب القرار الرسمي، مع تصاعد الأصوات الداعية لتطبيق السيادة الكاملة على مناطق “ج” (التي تشكل 60% من مساحة الضفة).
وما يفاقم خطورة اللحظة هو الرهان الإسرائيلي على حالة “الإنهاك الدولي” وانشغال القوى الكبرى بصراعات إقليمية أخرى، ظناً من تل أبيب أن الوقت قد حان لفرض “واقع لا يمكن عكسه” على الأرض. وهو ما تدركه منظمة التعاون الإسلامي، التي تسعى عبر اجتماع الرياض إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى قمة الأجندة الدولية كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل.
ثقل الرياض ودلالات المكان
يحمل اختيار الرياض لاستضافة هذا الاجتماع رسائل سياسية بليغة؛ فالمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل روحي وسياسي واقتصادي، تقود الدبلوماسية الإسلامية الجماعية بوضوح وحزم.
وقد أكدت المملكة في أكثر من مناسبة أن “فلسطين هي القضية المركزية”، واضعةً إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 شرطاً لا غنى عنه لأي استقرار إقليمي أو مسارات سياسية في المنطقة.
كما أن استضافة الرياض لهذا الزخم الدبلوماسي تمنح القرارات التي ستصدر عن المنظمة وزناً دولياً مضاعفاً، وتؤكد للمجتمع الدولي أن العالم الإسلامي، بكتلته البشرية والجغرافية، يقف صفاً واحداً ضد محاولات تصفية الحقوق الفلسطينية.
ويؤكد المراقبون أن هذا الاجتماع يأتي في أعقاب عام من الحرب الدامية على قطاع غزة، والتي أعادت تعريف الصراع عالمياً. ومن هنا، فإن محاولة إسرائيل استغلال تداعيات الحرب لفرض الضم في الضفة ستواجه بجدار صد إسلامي ودولي أكثر صلابة.
أجندة الاجتماع: ما وراء البيانات
يتصدر جدول أعمال وزراء الخارجية ملفات حاسمة تتجاوز لغة التنديد التقليدية، ومن أبرزها صياغة موقف رادع عبر إصدار بيان ختامي يحدد “خطوطاً حمراء” واضحة أمام المجتمع الدولي حيال أي خطوة إسرائيلية رسمية نحو الضم.
وبحث آليات التحرك في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية بتهمة انتهاك السيادة الفلسطينية ومصادرة الأراضي.
وتعزيز الدعم المالي والسياسي للسلطة الفلسطينية لتمكينها من مواجهة الضغوط الاقتصادية المرافقة لمخططات الضم.
الضغط الدبلوماسي: التنسيق مع التكتلات الدولية الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لخلق جبهة عالمية موحدة تفرض تكلفة سياسية باهظة على أي قرار إسرائيلي بالضم.
إجماع دولي وإسلامي ضد “الضم الفعلي”
هذه التحركات بجدة تأتي مدعومة بزخم دولي واسع؛ حيث أدانت منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، وأكثر من 20 دولة إسلامية وأوروبية، المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى فرض واقع جديد “غير مقبول” في الضفة.
وكانت 93 دولة، بما فيها دول التكتل الإسلامي والاتحاد الأوروبي، قد وجهت الأسبوع الماضي انتقادات حادة لقرار تل أبيب، مطالبة بالتراجع الفوري عن كافة إجراءات الضم والمصادرة. ويمثل اجتماع جدة الليلة محاولة لترجمة هذه الإدانات إلى حراك دبلوماسي وقانوني فاعل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن.
دلالات التوقيت
يرى محللون سياسيون أن حضور باكستان بثقلها الدبلوماسي في هذا الاجتماع يعكس وحدة الموقف الإسلامي تجاه القضية الفلسطينية، رغم الانشغالات الإقليمية الأخرى.
كما يبعث الاجتماع برسالة واضحة لحكومة الاحتلال بأن الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية لن تمر دون رد فعل إسلامي ودولي منسق، وأن “شرعنة” الاستيطان تحت مسميات “أملاك الدولة” هي والعدم سواء في نظر القانون الدولي والضمير العالمي.









