محور جديد يعيد رسم الشرق الأوسط: إسرائيل تقود خريطة الممرات والطاقة من الهند إلى أوروبا
مشروعات الممرات التجارية وخطوط الطاقة والتحالفات البحرية تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط، وسط سباق إقليمي ودولي للسيطرة على طرق التجارة العالمية من آسيا إلى أوروبا
واشنطن- المنشر الإخباري
لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُخاض فقط عبر الحروب العسكرية التقليدية أو المواجهات المباشرة بين الجيوش، بل تحولت بشكل متزايد إلى صراع على الممرات الاقتصادية وخطوط الطاقة والبنية التحتية للتجارة العالمية. ففي عالم اليوم، لم يعد النفوذ يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الدول على التحكم في طرق التجارة والطاقة التي تربط القارات ببعضها البعض.
وفي قلب هذه التحولات الجيوسياسية برز مشروع ضخم أعاد فتح نقاش واسع في مراكز الدراسات الاستراتيجية والدوائر السياسية الدولية، وهو مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
هذا المشروع لا يُنظر إليه باعتباره مجرد طريق تجاري جديد لنقل البضائع، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة الممتدة من جنوب آسيا مرورًا بالخليج العربي والشرق الأوسط وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا، بل وحتى إلى القرن الإفريقي.
وسط هذه التحولات، ظهرت تحليلات متزايدة ترى أن إسرائيل تسعى إلى استغلال موقعها الجغرافي وتطورها التكنولوجي وتحالفاتها الإقليمية لتصبح العقدة المركزية لشبكة اقتصادية تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا.
هذا الواقع يطرح تساؤلات كبيرة: هل نحن أمام إعادة هندسة شاملة للخريطة الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط؟ وهل تتحول مشاريع الممرات التجارية والطاقة إلى أدوات جديدة للهيمنة الجيوسياسية؟
صراع الممرات: الاقتصاد يتحول إلى سلاح جيوسياسي
خلال العقدين الأخيرين، تغيرت طبيعة التنافس بين القوى الكبرى في العالم. فبدلًا من الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة، أصبحت الدول الكبرى تتنافس عبر مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تتحكم في حركة التجارة العالمية.
الموانئ العملاقة، وشبكات السكك الحديدية العابرة للقارات، وخطوط الطاقة الدولية، أصبحت أدوات استراتيجية تحدد من يملك النفوذ في الاقتصاد العالمي.
كانت الصين من أوائل الدول التي أدركت أهمية هذه المعادلة عندما أطلقت عام 2013 مشروع مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع طموح يهدف إلى إنشاء شبكة هائلة من الطرق البرية والممرات البحرية والموانئ وخطوط الطاقة تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا.
وقد ضخت الصين مئات المليارات من الدولارات في هذا المشروع، مما منحها نفوذًا اقتصاديًا واسعًا في العديد من الدول النامية.
لكن هذا التوسع الصيني أثار قلقًا كبيرًا في الغرب، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين بدأتَا البحث عن مشاريع بديلة يمكن أن توازن النفوذ الاقتصادي المتنامي لبكين.
في هذا السياق، جاء الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي الجديد خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023.
الفكرة الأساسية للمشروع تقوم على إنشاء شبكة متكاملة تربط الهند بأوروبا عبر الخليج العربي والشرق الأوسط باستخدام عدة وسائل نقل في وقت واحد، تشمل النقل البحري والسكك الحديدية وخطوط الطاقة وكابلات الاتصالات الرقمية.
لكن رغم الطابع الاقتصادي للمشروع، يرى كثير من المحللين أن خلفه أهدافًا سياسية واستراتيجية أعمق بكثير.
إسرائيل في قلب المعادلة الجديدة
منذ سنوات طويلة، تعمل إسرائيل على استغلال موقعها الجغرافي الفريد بين آسيا وإفريقيا وأوروبا لتحويل نفسها إلى مركز استراتيجي يربط هذه القارات الثلاث.
هذا الطموح لم يعد مجرد فكرة نظرية أو خطاب سياسي، بل أصبح جزءًا من استراتيجية عملية تتضمن تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة، وتعزيز التحالفات الإقليمية، والدخول في مشاريع اقتصادية عابرة للحدود.
ويرى عدد من الخبراء أن إسرائيل تحاول بناء ما يمكن وصفه بـ شبكة نفوذ اقتصادي إقليمية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية مترابطة.
المحور الأول يتمثل في الممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
أما المحور الثاني فيتعلق بالطاقة، خصوصًا الغاز الطبيعي المكتشف في شرق البحر المتوسط.
بينما يرتبط المحور الثالث ببناء تحالفات سياسية واقتصادية جديدة مع عدد من الدول العربية والإفريقية.
هذه المحاور الثلاثة مجتمعة يمكن أن تجعل إسرائيل لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد الإقليمي، بل وربما نقطة عبور أساسية للتجارة والطاقة بين القارات.
الممر الهندي الأوروبي: طريق جديد للتجارة العالمية
يُعد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا أحد أهم الأعمدة في هذه التحولات الجيوسياسية.
ويهدف المشروع إلى إنشاء طريق تجاري جديد يبدأ من الموانئ الهندية المطلة على المحيط الهندي، ثم ينتقل عبر السفن إلى موانئ الخليج العربي.
ومن هناك يتم نقل البضائع عبر شبكة من السكك الحديدية الحديثة التي تعبر الأراضي السعودية والأردنية وصولًا إلى إسرائيل، حيث تصل البضائع إلى موانئ البحر المتوسط ومنها تُشحن مجددًا إلى الأسواق الأوروبية.
الفكرة الأساسية للمشروع هي تقليل الزمن اللازم لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا مقارنة بالطرق البحرية التقليدية.
لكن الأهمية الحقيقية للممر لا تتعلق فقط بالسرعة أو الكفاءة اللوجستية، بل بالآثار الجيوسياسية التي يمكن أن تترتب عليه.
فإذا نجح المشروع، فقد يقلل من الاعتماد على بعض الممرات البحرية التقليدية في المنطقة، مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
كما يمكن أن يؤثر بشكل غير مباشر على أهمية قناة السويس التي تعد أحد أهم طرق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
ولهذا السبب، يرى بعض الخبراء أن المشروع قد يؤدي إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ في التجارة العالمية.
الشرق المتوسط: معركة الغاز الكبرى
إلى جانب الممرات التجارية، تلعب الطاقة دورًا أساسيًا في التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
فخلال العقد الماضي، اكتُشفت احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، خاصة في المياه القريبة من سواحل إسرائيل وقبرص ومصر.
هذه الاكتشافات أدت إلى ظهور مشاريع تعاون إقليمي جديدة في مجال الطاقة.
ومن أبرز هذه المبادرات إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم عدة دول من بينها مصر واليونان وقبرص وإسرائيل.
ويهدف المنتدى إلى تنسيق سياسات إنتاج الغاز وتصديره، إضافة إلى تطوير البنية التحتية اللازمة لنقله إلى الأسواق العالمية.
لكن خلف هذا التعاون الاقتصادي توجد أيضًا منافسة سياسية حادة.
فتركيا، على سبيل المثال، تعارض بعض مشاريع الغاز في شرق المتوسط لأنها ترى أنها تستبعدها من معادلة الطاقة في المنطقة.
وفي هذا السياق ظهرت مشاريع خطوط أنابيب تهدف إلى نقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر الأراضي اليونانية.
وتزداد أهمية هذه المشاريع بالنسبة لأوروبا منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وهو الحدث الذي دفع الدول الأوروبية إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة بدلًا من الغاز الروسي.
البحر الأحمر والقرن الإفريقي: ساحة المنافسة الجديدة
إلى جانب شرق المتوسط، أصبحت منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي واحدة من أهم مناطق التنافس الجيوسياسي في العالم.
يمر عبر البحر الأحمر جزء كبير من التجارة العالمية، خصوصًا عبر مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
هذا الموقع الاستراتيجي جعل المنطقة محط اهتمام العديد من القوى الدولية والإقليمية.
فالصين والولايات المتحدة وتركيا والإمارات والسعودية جميعها تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري أو الاقتصادي في هذه المنطقة الحيوية.
كما أن دول القرن الإفريقي مثل إثيوبيا وأرض الصومال أصبحت تلعب دورًا متزايد الأهمية في معادلات الأمن الإقليمي.
ويرى بعض المحللين أن أي نفوذ اقتصادي أو أمني في هذه المنطقة يمنح الدول القدرة على التأثير في أحد أهم طرق التجارة العالمية.
التطبيع العربي: البوابة الاقتصادية الجديدة
لا يمكن فهم التحولات الجارية في المنطقة دون التوقف عند التحول الكبير الذي حدث في العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
ففي عام 2020 تم توقيع سلسلة من الاتفاقيات الدبلوماسية المعروفة باسم اتفاقيات أبراهام.
هذه الاتفاقيات فتحت الباب أمام تعاون اقتصادي وتكنولوجي واسع بين إسرائيل وعدة دول عربية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والسياحة والتجارة.
ومنذ توقيع هذه الاتفاقيات بدأت تظهر مشاريع مشتركة بين الشركات الإسرائيلية والعربية في مجالات متعددة.
ويرى بعض المحللين أن هذه الاتفاقيات قد تمهد الطريق لدمج إسرائيل بشكل أعمق في الاقتصاد الإقليمي.
الحرب في غزة وتأثيرها على المشاريع الإقليمية
اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 أعاد التوترات إلى المنطقة وأثر على العديد من المشاريع الاقتصادية الإقليمية.
فالتصعيد العسكري أدى إلى اضطرابات في الملاحة البحرية في البحر الأحمر وارتفاع المخاطر الأمنية على السفن التجارية.
لكن في المقابل، يرى بعض الخبراء أن هذه التوترات قد تدفع الدول الكبرى إلى تسريع مشاريع الممرات الاقتصادية البديلة.
فالأزمات المتكررة في الممرات البحرية التقليدية كشفت مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية.
الهند: القوة الصاعدة في النظام العالمي
تعد الهند أحد أبرز اللاعبين المستفيدين من مشروع الممر الاقتصادي الجديد.
فمع النمو السريع لاقتصادها، تسعى الهند إلى تعزيز دورها في التجارة العالمية وتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا والشرق الأوسط.
الممر الجديد يمنح الهند طريقًا أسرع وأكثر كفاءة للوصول إلى الأسواق الأوروبية، كما يساعدها على موازنة النفوذ الصيني في آسيا.
الخليج: مركز لوجستي عالمي
دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، ترى في المشروع فرصة لتعزيز دورها كمراكز لوجستية تربط الشرق بالغرب.
فالموقع الجغرافي للخليج يجعله نقطة عبور طبيعية بين آسيا وأوروبا.
ولهذا تستثمر هذه الدول مليارات الدولارات في تطوير الموانئ وشبكات السكك الحديدية والمناطق الاقتصادية الحرة.
أوروبا: البحث عن طرق تجارية أكثر أمانًا
بالنسبة لأوروبا، يمثل المشروع جزءًا من استراتيجية أوسع لتنويع طرق التجارة العالمية وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الممرات البحرية.
فالأزمات الأخيرة مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا أظهرت مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية.
الممر الاقتصادي الجديد قد يوفر لأوروبا طريقًا إضافيًا للتجارة مع آسيا.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل
كل هذه التحولات تشير إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة من إعادة التشكيل الجيوسياسي.
فالممرات التجارية وخطوط الطاقة والبنية التحتية أصبحت أدوات رئيسية في رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
وفي عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، قد تصبح هذه المشاريع الاقتصادية العملاقة أحد أهم عوامل تحديد موازين القوى في العقود القادمة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستقود هذه المشاريع إلى مزيد من التكامل الاقتصادي والاستقرار الإقليمي؟
أم أنها ستفتح فصلًا جديدًا من التنافس الجيوسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية؟












