طرابلس تستعد لاتخاذ إجراءات ردّية ومساءلة نيامي أمام المجتمع الدولى
طرابلس، 27 فبراير 2026 – المنشر الإخباري
أعلنت حكومة الوحدة الوطنية الليبية في طرابلس احتجاجًا رسميًا على النيجر، متهمةً الأخيرة بتسليم مواطنين ليبيين لقوات خليفة حفتر التابعة لما يُعرف بـ الجيش الوطني الليبي في بنغازي، وهدّدت باتخاذ تدابير “وفق مبدأ المعاملة بالمثل” ضد مصالح النيجر على الأراضي الليبية.
الاحتجاج جاء في مذكرة رسمية أرسلتها وزارة الخارجية الليبية إلى السفارة النيجيرية في طرابلس، اطلعت عليها وكالة نوفا، مشددة على أن تسليم المواطنين، المدعوين باهر الدين والسيد القلّال، تمّ لجهات غير معترف بها دوليًا، وهو ما اعتبرته طرابلس “انتهاكًا صارخًا للإجراءات الدبلوماسية والقوانين الدولية”.
التوتر الداخلي في ليبيا وتأثيره على العلاقات الخارجية
لا تزال ليبيا منذ عام 2011 منقسمة بين:
• حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس،
• وحكومة موازية مدعومة من حفتر في الشرق، مقرّها بنغازي.
هذا الانقسام المستمر منذ عام 2014 انعكس بوضوح على إدارة الحدود والعلاقات مع الدول المجاورة، بما فيها النيجر.
وزارة الخارجية أكدت أن تسليم المواطنين تم رغم اتباع طرابلس “جميع الإجراءات الإدارية والدبلوماسية المعترف بها دوليًا”، وأنها أبلغت النيجر عبر القنوات الرسمية مرارًا، معتبرة الفعل تفاعلًا مع “أطراف مدرجة ضمن جهات محظورة بموجب القانون الدولي”، في إشارة ضمنية إلى القيادة العامة للجيش الوطني الليبي.
تهديدات ليبية بالمقابل: وضع النيجيريين في ليبيا على المحك
الاحتجاج الليبي لم يقتصر على الإدانة، بل حذّر من اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية ضد المواطنين النيجيريين المقيمين في ليبيا، بما في ذلك اعتبار وضعهم “غير قانوني” إذا لم تتضح الملابسات.
المذكرة أشارت إلى أن عدد المواطنين النيجيريين في ليبيا يُقدّر بما يفوق مليوني شخص، في حين تشير إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن إجمالي المهاجرين في ليبيا يبلغ حوالي 928,839 شخصًا، ما يعكس تضخيمًا متعمدًا قد يكون له أثر سياسي واستراتيجي.
كما حمّلت طرابلس النيجر المسؤولية الكاملة أمام المجتمع الدولي عن أي ضرر قد يلحق بالمواطنين الليبيين بعد تسليمهم لقوات حفتر، معتبرةً أن أي تقاعس عن التوضيح قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي واسع.

التوترات على الحدود الجنوبية
يرتبط هذا الحادث بتصاعد التوترات على الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر خلال الأسابيع الماضية.
قوات الجيش الوطني الليبي أعلنت تحرير عناصر كانت قد اختُطفت في منطقة ألبوم على الحدود مع النيجر، بعد اشتباكات مع مجموعات مسلحة في الفيّزان، وهي منطقة استراتيجية نظرًا لأهمية الطرق العابرة للحدود ولقربها من آبار النفط الجنوبية.
هذه التوترات الحدودية تعكس هشاشة الوضع الأمني في جنوب ليبيا وتعقيد إدارة ملف المهاجرين والعلاقات مع دول الساحل الإفريقي.
النيجر والتحالفات العسكرية
منذ يوليو 2023، تُدار النيجر بواسطة جماعة عسكرية موالية لروسيا بقيادة الجنرال عبد الرحمن تشياني، والتي عزّزت التعاون العسكري والاستراتيجي مع قوات حفتر في الشرق الليبي.
في مايو 2025، زار سداد حفتر، نجل خليفة حفتر، العاصمة النيجيرية نيامي، حيث تلقّى أعلى وسام وطني من الجنرال تشياني، تقديرًا لدور الجيش الليبي في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.
هذا التعاون العسكري يعكس استراتيجيات تقاطع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية في شمال إفريقيا، ويزيد من تعقيد أي محادثات دبلوماسية بين طرابلس ونيامي.
البعد الدبلوماسي والسياسي للأزمة
الحادثة تمثل أحد أكثر الفصول الدبلوماسية توترًا بين ليبيا والنيجر في الأشهر الأخيرة، وقد تؤدي إلى فتح جبهة جديدة من التوترات في منطقة تتحكم فيها عوامل قبلية وعسكرية معقدة.
ليبيا، التي ما تزال تحاول استعادة وحدة مؤسساتها بعد عقدين من الفوضى السياسية والأمنية، تواجه خطرًا من أي تصعيد مع جيرانها، قد يعرقل مفاوضات الأمن الحدودي ومكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.
انعكاس الأزمة على الأمن الإقليمي
تُظهر الأزمة بين ليبيا والنيجر مدى تداخل المشهد السياسي الداخلي الليبي مع العلاقات الإقليمية. فكل طرف يسعى لاستغلال تحالفاته الإقليمية لتعزيز موقفه السياسي والأمني، بينما يزداد تأثير الجهات العسكرية الخارجية في صنع القرار الليبي.
الحادثة، رغم أنها تبدو قضية دبلوماسية تقنية، تحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة، قد تؤثر في علاقات ليبيا بالدول الإفريقية المجاورة، وتزيد من حساسية الملفات المتعلقة بالهجرة غير الشرعية وتأمين الحدود.
تصعيد ليبيا ضد النيجر بسبب تسليم مواطنين لقوات حفتر يشير إلى تصاعد حدة الأزمات الدبلوماسية في شمال إفريقيا، ويعكس هشاشة التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة طرابلس ونيامي على معالجة الأزمة دبلوماسيًا دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تؤثر على استقرار الحدود الجنوبية، وحركة المهاجرين، والتحالفات الإقليمية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.










