المنشر الاخباري | 27 فبراير 2026، كشفت صحيفة “ذا ستاندرد” الكينية، مدعومة ببيانات محدثة من وزارة الخزانة الأمريكية لعام 2026، حيث تبين أن ألقوني حمدان دقلو، الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع والمسؤول عن “المحفظة المالية واللوجستية” للمنظمة، يحمل جواز سفر كينيا حقيقيا، في وقت يدرج فيه اسمه على قوائم الإرهاب والعقوبات الدولية.
وثيقة صغيرة.. قنبلة جيوسياسية
الجواز الكيني رقم AK1586127 ليس مجرد ورقة عبور؛ إنه “الصندوق الأسود” الذي يكشف كيف تدار حروب القرن الحادي والعشرين بالهويات البديلة.
ألقوني دقلو ليس مجرد قريب لقائد عسكري، بل هو “العقل المالي” الذي يدير استثمارات الدعم السريع في قطاعات الذهب، المقاولات، والتجارة الدولية.
حصوله على هوية كينية يعني ببساطة قدرته على فتح حسابات بنكية في نيروبي، وتأسيس شركات واجهة (Shell Companies) تحت غطاء قانوني كيني، مما يسمح بتدفق الأموال اللازمة لشراء المسيرات والذخائر بعيدا عن أعين الرقابة الدولية التي تلاحق الهوية السودانية.
وتشير التقارير الاستخباراتية المحدثة إلى أن هذا الجواز استخدم في رحلات مكوكية بين نيروبي، دبي، وعواصم أوروبية، مما يطرح سؤالا جوهريا: هل كانت أجهزة الهجرة الكينية “نائمة” أم “متواطئة”؟ إن عبور شخص بمكانة ألقوني عبر بوابات مطار “جومو كينياتا” الدولي بهوية كينية هو إهانة مباشرة لمنظومة الأمن القومي لدولة تعتبر نفسها حليفة استراتيجية للغرب في مكافحة الإرهاب.
نيروبي: من “وسيط سلام” إلى “غرفة إمداد”
تضع هذه الفضيحة حكومة الرئيس وليام روتو أمام مرآة كاشفة. فبينما كان روتو يتنقل بين العواصم بصفته رئيسا للجنة الرباعية التابعة لـ “إيغاد” لبحث سبل وقف إطلاق النار، كانت أجهزته الرسمية تمنح “غطاء سياديا” لأحد أبرز ممولي الحرب.
إعلان “حميدتي” حكومة موازية في السودان يُفاقم الأزمة السياسية
هذا التناقض الصارخ يغذي اتهامات الجيش السوداني المستمرة لنيروبي بالانحياز، ويجعل من الوساطة الكينية “طرفا خصما” في نظر نصف السودانيين على الأقل.
المعلومات المسربة تشير إلى أن منح الجواز لم يكن مجرد رشوة لموظف صغير، بل جاء ضمن سياق “تسهيلات استثمارية” منحت لرجال أعمال مرتبطين بأسرة دقلو، استثمروا مئات الملايين من الدولارات في قطاع العقارات الفاخرة في ضواحي نيروبي الراقية مثل “لابينجتون” و”كارين”.
وهنا تتحول السيادة الوطنية إلى سلعة، ويصبح “الأمن الإقليمي” قربانا يقدم على مذبح التدفقات المالية المشبوهة.
مثلث “نيروبي – دبي – الخرطوم”: هندسة الالتفاف على العقوبات
تثبت قضية ألقوني أن قوات الدعم السريع تدير “دولة موازية” عابرة للحدود. تعتمد هذه الدولة على مثلث لوجستي دبي المركز المالي لإدارة مبيعات الذهب وتسييل الأصول.
ونيروبي: الغطاء السياسي والوثائقي (الجوازات والشركات المسجلة)، والميدان السوداني حيث تتحول هذه الأموال والوثائق إلى رصاص ومسيرات وتشوين عسكري.
إن حيازة ألقوني للجنسية الكينية تمنحه “درعا قانونيا” أمام المحكمة الجنائية الدولية وأجهزة التتبع المالي (FATF). فملاحقة مواطن كيني تختلف إجرائيا وقانونيا عن ملاحقة متمرد سوداني، وهو ما يعكس استراتيجية “تعدد الجنسيات” التي ينتهجها قادة الدعم السريع كصمام أمان لمستقبلهم في حال انهيار مشروعهم العسكري داخل السودان.
تداعيات “فقدان العذرية” السياسية لكينيا
داخليا، فجرت القضية بركانا في البرلمان الكيني. المعارضة بدأت تتساءل عن حجم “أموال الدم” السودانية التي دخلت الدورة الاقتصادية الكينية. هل ساهمت هذه الأموال في تمويل حملات انتخابية؟ هل هناك وزراء في الحكومة الحالية يعملون كـ “مستشارين ظل” لإمبراطورية دقلو؟
أما خارجيا، فإن صدقية كينيا في الاتحاد الأفريقي باتت على المحك. كيف يمكن لنيروبي أن تطالب بفرض عقوبات على “أمراء الحرب” في أفريقيا وهي تمنحهم جنسيتها؟ هذا “النفاق الدبلوماسي” قد يؤدي إلى عزل كينيا عن ملفات إقليمية حساسة، وربما يدفع واشنطن — التي فرضت العقوبات على ألقوني — إلى مراجعة مساعداتها الأمنية لنيروبي إذا ثبت أن الأخيرة تستخدم كمنصة لتقويض العقوبات الأمريكية.
الجواز كـ “سلاح دمار شامل”
إن قضية ألقوني دقلو ليست مجرد “خرق إداري”، بل هي تجسيد لظاهرة “الفساد السيادي العابر للحدود”. لقد أثبتت الحرب السودانية أن الحدود الجغرافية سقطت أمام القوة المالية. جواز السفر الكيني في يد ألقوني هو “سلاح” لا يقل خطورة عن بندقية القنص؛ فالأول يقتل فرص السلام ويطيل أمد الحرب عبر توفير التمويل، والثانية تقتل الأفراد في الميدان.
إن العالم اليوم مطالب بنظرية جديدة للأمن الإقليمي، لا تكتفي بمراقبة شحنات الأسلحة، بل تلاحق “مطابع جوازات السفر” وسجلات التجارة في العواصم التي تدعي الحياد. وطالما ظلت نيروبي أو غيرها “ممرات آمنة” لهويات أمراء الحرب، فإن السودان سيبقى أسيرا لحرب لن تنتهي طالما أن مموليها يحملون في جيوبهم “خطة هروب” قانونية موثقة بختم دول الجوار.










