السيدة الأولى الأمريكية تتصدر جلسة رئاسة المجلس في نيويورك وتسليط الضوء على التعليم والسلام والتكنولوجيا في مناطق النزاع
نيويورك – المنشر الإخباري
في خطوة غير مسبوقة على صعيد تاريخ الولايات المتحدة والأمم المتحدة، أعلنت إدارة البيت الأبيض أن السيدة الأولى الأمريكية، ميلانيا ترامب، ستتولى رئاسة جلسة لمجلس الأمن الدولي يوم الإثنين المقبل، بالتزامن مع تولي الولايات المتحدة رئاسة المجلس الدورية الشهرية. ويُعد هذا الاجتماع الأول من نوعه في التاريخ الذي ترأسه سيدة أولى بينما يشغل زوجها منصب الرئاسة الأمريكية، وهو ما يمثل سابقة سياسية ودبلوماسية نادرة.
وبحسب البيان الرسمي الصادر عن مكتب السيدة الأولى، فإن ميلانيا ترامب ستركز خلال الجلسة على التعليم كأداة استراتيجية لتعزيز التسامح، ودعم السلام العالمي، وترسيخ قيم التعاون الدولي في المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة. وتحمل الجلسة عنوان “الأطفال والتكنولوجيا والتعليم في مناطق الصراع”، وهي تمثل منصة حيوية لمناقشة سبل حماية الأطفال وضمان حصولهم على فرص تعليمية آمنة، إلى جانب تناول دور التكنولوجيا في دعم التعليم والمبادرات الإنسانية في مناطق النزاع.
سابقة تاريخية ومكانة السيدة الأولى
يشير خبراء دبلوماسيون إلى أن رئاسة ميلانيا ترامب لمجلس الأمن الدولي تكسر تقليدًا طويلًا كان يقضي بأن يترأس اجتماعات المجلس سفراء الدول لدى الأمم المتحدة أو كبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية، وهو ما يجعل هذه الخطوة تاريخية ليس فقط بالنسبة للسيدة الأولى، بل على صعيد مجلس الأمن ذاته. فقد سبق أن لعبت بعض السيدات الأوليات دورًا مؤثرًا في الأمم المتحدة، مثل إلينور روزفلت، التي ساهمت في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أن أيًا من السيدات لم يترأس جلسة رسمية لمجلس الأمن أثناء فترة تولي أزواجهن الرئاسة الأمريكية.
وأكد البيت الأبيض أن قيادة السيدة الأولى لهذه الجلسة تعكس التزام الإدارة الأمريكية، على الرغم من مواقفها النقدية تجاه الأمم المتحدة، بتقديم حلول عملية لمعالجة القضايا العالمية الحرجة، خصوصًا تلك التي تتعلق بالأطفال والتعليم في مناطق النزاع، إضافة إلى التركيز على التكنولوجيا كأداة لتعزيز السلام.
التعليم والتكنولوجيا كأدوات للسلام
أوضحت ميلانيا ترامب في تصريحات سابقة أن التعليم يمثل حجر الزاوية لأي جهود تستهدف بناء السلام المستدام في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات. وأشارت إلى أن الجمع بين التعليم والتكنولوجيا يوفر أدوات فعالة لمكافحة الفقر، وتمكين الشباب، ومكافحة التطرف والعنف. ويأتي تركيز السيدة الأولى على هذه المحاور في وقت يشهد فيه العالم زيادة غير مسبوقة في النزاعات المسلحة، خاصة في مناطق الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأجزاء من أوروبا الشرقية، بما في ذلك الأزمة الأوكرانية.
كما أن الجلسة ستسلط الضوء على كيفية حماية الأطفال في مناطق الصراع، سواء من خلال التعليم المباشر أو برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، إضافة إلى مناقشة سبل إعادة دمج الأطفال الذين تضرروا من النزاعات المسلحة إلى المجتمع التعليمي بشكل آمن وفعال.
جهود إعادة الأطفال الأوكرانيين
وعلى صعيد آخر، تواصل ميلانيا ترامب دعم جهود إعادة الأطفال الأوكرانيين الذين جرى نقلهم إلى روسيا بعد غزو أوكرانيا في عام 2022. وأعلنت في أكتوبر الماضي عن عودة عدد من هؤلاء الأطفال إلى عائلاتهم، في إطار برامجها الإنسانية التي ركزت على حماية الطفولة وتخفيف آثار النزاعات. وتعمل السيدة الأولى خلال ولاية زوجها الثانية على تعزيز هذه المبادرات، معتبرة أن حماية الأطفال وحقوقهم الأساسية يجب أن تكون محور الجهود الدبلوماسية العالمية.
خلفية السياسة الأمريكية تجاه الأمم المتحدة
تأتي هذه الخطوة في ظل موقف متشدد يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأمم المتحدة، حيث وصفها مرارًا بأنها “غير فعالة” ودعا إلى إصلاحات شاملة لإعادة هيكلة المنظمة الدولية. وقد شهدت الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب انسحابًا جزئيًا من عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة، أبرزها منظمة الصحة العالمية، كما قلصت التمويل المخصص للجهات الأممية العاملة مع اللاجئين الفلسطينيين، معتبرة أن بعض العمليات الأممية معيبة وغير فعالة.
وفي الوقت نفسه، أطلق الرئيس ترامب مؤخرًا ما عرف بـ “مجلس السلام”، وهو جسم موازٍ يحاول أن يكون منصة بديلة لتسوية النزاعات الدولية، وهو ما أثار جدلاً واسعًا بين المجتمع الدولي، إذ يرى بعض المراقبين أن هذا المجلس الجديد قد يسعى لتقليص دور الأمم المتحدة التقليدي، خاصة في مجالات الأمن والسلام الدولي.
انعكاسات دبلوماسية وسياسية
من المتوقع أن تحضر جلسة مجلس الأمن يوم 2 مارس كل من السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، بالإضافة إلى ممثلي الدول الأعضاء في المجلس ومسؤولين دوليين آخرين. ويعتبر هذا الاجتماع اختبارًا حقيقيًا للمصداقية الأمريكية في قيادة قضايا السلام والتعليم على الصعيد الدولي، خاصة في ظل الانتقادات التي وُجهت لواشنطن سابقًا بشأن تعاملها مع قضايا حقوق الإنسان، وميزانياتها تجاه الأمم المتحدة، وتعاطيها مع النزاعات الدولية.
كما يرى مراقبون أن رئاسة ميلانيا ترامب للجلسة قد تشكل نقطة تحول في تقليد اجتماعات مجلس الأمن، إذ يمكن أن تؤسس لتوسع أدوار السيدات الأوليات في الدبلوماسية الدولية، خصوصًا في المجالات الإنسانية والتعليمية، بعيدًا عن الأدوار الرمزية التقليدية.
تأثير المبادرة على السياسة الداخلية
داخل الولايات المتحدة، تثير هذه الخطوة نقاشًا حول دور السيدة الأولى في السياسة العامة، إذ يرى بعض المعلقين أن تركيزها على التعليم والتكنولوجيا والسلام يمثل انعكاسًا لاهتمام الإدارة الأمريكية بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، في مقابل السياسة الخارجية التقليدية القائمة على الأمن والعسكرية. بينما يعتقد آخرون أن هذه الخطوة تأتي أيضًا كجزء من استراتيجية ترامب لإظهار أمريكا كقوة قيادية ملتزمة بالقيم العالمية، رغم الانتقادات الموجهة للسياسات الأمريكية تجاه الأمم المتحدة.
متابعة وسائل الإعلام العالمية
تتواصل وسائل الإعلام الدولية في تغطية هذه التطورات، حيث رصدت سي إن إن ورويترز وغارديان تصريحات البيت الأبيض ومكاتب السيدة الأولى، مشيرة إلى أن الجلسة ستكون نقطة مراقبة دولية لمعرفة مدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة ملفات التعليم والسلام في مناطق النزاع ضمن إطار الأمم المتحدة.
ويرى دبلوماسيون أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مشاركة أكبر للمدنيين والأخصائيين في مجال التعليم والحقوق الإنسانية في اجتماعات مجلس الأمن، وهو تحول محتمل في أسلوب إدارة الجلسات لصالح التركيز على القضايا الإنسانية بشكل أكبر.
السياق الدولي والأزمات العالمية
تأتي هذه المبادرة أيضًا في سياق الأزمة المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، وتوترات الشرق الأوسط، بما في ذلك الأوضاع في سوريا واليمن وفلسطين، حيث تمثل حماية الأطفال والتعليم محور اهتمام دولي واسع. كما أن التكنولوجيا، بما في ذلك التعليم عن بُعد والمنصات الرقمية، أصبحت أداة رئيسية في مواجهة التحديات التي فرضتها النزاعات المسلحة على التعليم الأساسي.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الاجتماع سيركز على تنسيق الجهود الدولية لتعزيز برامج التعليم للأطفال في النزاعات، وتحسين استخدام التكنولوجيا لدعم التعلم، وإيجاد حلول مبتكرة لحماية حقوق الأطفال، بما يتوافق مع القرارات الدولية ذات الصلة، ويضمن إشراك الدول الأعضاء بشكل فعال.
تترقب الأوساط الدولية هذا الاجتماع التاريخي، الذي يمثل سابقة على صعيد دور السيدات الأوليات في الأمم المتحدة، ويعكس رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لمواجهة التحديات الإنسانية العالمية من منظور التعليم والتكنولوجيا والسلام. كما أنه اختبار عملي لإظهار التزام الولايات المتحدة بمسؤولياتها الدولية، رغم المواقف النقدية السابقة تجاه الأمم المتحدة.
من المتوقع أن يترك الاجتماع أثرًا طويل المدى على ممارسات مجلس الأمن، وربما يسهم في توسيع نطاق المشاركة المدنية والإنسانية داخل النظام الدولي، ويبرز دور التعليم والتكنولوجيا كأدوات فعالة لبناء السلام المستدام وحماية الأطفال في مناطق النزاع حول العالم.










