المنشر الاخباري| فبراير 2026، في عالم الدبلوماسية، كثيرا ما تشعل الشرارات الصغيرة حرائق كبيرة. وهذا بالضبط ما حدث حين أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالا هاتفيا بدا في ظاهره عاديا مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في نوفمبر 2025، فإذا بهذا الاتصال يفجر توترات كانت تتراكم في صمت لسنوات بين أبوظبي والرياض، ليكشف عمق الشرخ الذي بات يفصل بين دولتين خليجيتين كانتا حتى وقت قريب تشكلان محورا واحدا متماسكا في السياسة الإقليمية.
بحسب ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز استنادا إلى أربعة مصادر مطلعة على تفاصيل المحادثة، فقد نقل ترامب للشيخ محمد بن زايد مضمون محادثة جرت بينه وبين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارة الأخير للبيت الأبيض في الشهر ذاته.
محمد بن زايد يغيب عن القمة العربية.. خلافات السعودية الإمارات تتسع
وبحسب هذه المصادر، أبلغ ترامب نظيره الإماراتي أن ولي العهد السعودي طلب منه فرض عقوبات على الإمارات بسبب دعمها لقوات الدعم السريع في الحرب الأهلية السودانية.
الاتصال الهاتفي: الرواية والرواية المضادة
تتباين الروايات حول ما جرى فعلا في تلك المحادثة بين ترامب ومحمد بن سلمان. فبينما تؤكد المصادر الإماراتية أن ولي العهد السعودي طلب صراحة فرض عقوبات أمريكية على الإمارات، يقدم مسؤول سعودي رواية مغايرة، مؤكدا أن ما طلب هو فرض عقوبات إضافية على قوات الدعم السريع ذاتها لقطع مصادر دعمها الخارجي، لا استهداف الإمارات بشكل مباشر.
تصاعد التنافس الخليجي: السعودية تستثمر في الصومال بعد إنهاء صفقات الإمارات
أما المسؤول الأمريكي المطلع على الملف فقد نفى أن يكون محمد بن سلمان قد طلب أي عقوبات على الإمارات، غير أنه أحجم عن الإفصاح عن مضمون المحادثة.
والأكثر دلالة في هذه القصة ليس الخلاف حول التفاصيل، بل ما أفصح عنه ترامب ذاته لمحاوره الإماراتي؛ إذ يروى أنه قال للشيخ محمد بن زايد إن “أصدقاءه يتآمرون عليه”، لكنه طمأنه بأنه واقف إلى جانبه.
هذه الجملة وحدها تختزل المشهد بأسره، رئيس أمريكي يوظف المعلومات الدبلوماسية الحساسة أداة في لعبة إدارة علاقاته مع حلفاء متنافسين، مما أشعل نيران الغضب في أبوظبي ورسخ الشعور بالخيانة من الحليف السعودي القديم.
من يشطب الآخر أولًا؟.. محمد بن سلمان ومحمد بن زايد في سباق الزعامة لا الإقصاء
جذور الشرخ: من التحالف إلى التنافس
لفهم ما آلت إليه العلاقة السعودية الإماراتية، لا بد من استحضار تاريخ الشراكة التي جمعت محمد بن زايد ومحمد بن سلمان.
فقد كان الرجلان في وقت من الأوقات نموذجا للتناغم الخليجي؛ تشاركا في قيادة التدخل العسكري في اليمن لصد الحوثيين، وتوحدا في مواجهة قطر عبر الحصار الذي فرض عليها بين عامي 2017 و2021 بتهمة دعم الإرهاب، وهو ما نفته الدوحة جملة وتفصيلا.
غير أن طريقي الرجلين بدأتا تتشعبان مع نضج رؤيتيهما الاستراتيجية المختلفتين. فمحمد بن سلمان وجه بوصلة السعودية نحو الداخل، ساعيا إلى تحويل المملكة إلى مركز اقتصادي عالمي عبر رؤية 2030، وهي رؤية تتطلب استقرارا إقليميا وبيئة استثمارية تنافسية.
وفي هذا السياق، باتت دبي وأبوظبي بنجاحاتهما الاقتصادية المتراكمة منافسا حقيقيا لا حليفا مكملا.
في المقابل، انتهج محمد بن زايد سياسة خارجية إماراتية أكثر حزما واستقلالية، ترتكز وفق ما يصفه مسؤولون إماراتيون على مواجهة ما يرون فيه خطر الإسلام السياسي في المنطقة.
ومن منظور أبوظبي، فإن قوات الدعم السريع في السودان تمثل حليفا مناسبا لأنها تحارب جيشا يعد في النظرة الإماراتية ذا توجهات إسلامية لا تخدم الاستقرار الإقليمي.
بلهجة “التحذير الأخير” السعودية تخير الإمارات: الانسحاب من اليمن خلال 24 ساعة أو “المواجهة”
السودان: ساحة المواجهة الجديدة
تحول السودان منذ اندلاع حربه الأهلية في أبريل 2023 إلى مرآة عاكسة للتنافس الخليجي؛ فالمملكة العربية السعودية تدعم القوات المسلحة السودانية النظامية، بينما تعد الإمارات الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع.
وتوجد أدلة موثقة واسعة على أن أبوظبي حولت أموالا وأسلحة وطائرات مسيرة لهذه القوات الأخيرة، وواجهت الإمارات في الأشهر الأخيرة انتقادات دولية متصاعدة في أعقاب اتهام قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ولا سيما في محيط مدينة الفاشر بدارفور.
وقد ذهب خبراء مدعومون من الأمم المتحدة إلى أن ما يجري يحمل “سمات الإبادة الجماعية”. في المقابل، تنفي الإمارات جملة وتفصيلا أي دعم مادي لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن دورها لا يتخطى المساعدات الإنسانية ودعم مساعي وقف إطلاق النار.
والتناقض في المواقف من السودان ليس خلافا دبلوماسيا هامشيا؛ فهو يمس في جوهره المصالح الاستراتيجية للبلدين. فالسعودية ترى في استمرار الحرب شبحا مقلقا لدولة فاشلة على ضفة البحر الأحمر المقابلة لشواطئها، مما يمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي. ولهذا لجأت الرياض، بعد عامين من المحاولات الفاشلة لإقناع أبوظبي بقطع دعمها لقوات الدعم السريع، إلى طلب الوساطة الأمريكية.
التداعيات في اليمن: عندما يصبح الحليف خصما
لم تبق التوترات المتراكمة حبيسة الأروقة الدبلوماسية طويلا، بل وجدت طريقها إلى الميدان في اليمن، وهو البلد الذي شهد ولادة الشراكة السعودية الإماراتية قبل نحو عقد من الزمن.
وفي ديسمبر 2025، قادت المجلس الانتقالي الجنوبي مدعومة من الإمارات هجوما خاطفا في منطقة قريبة من الحدود السعودية في جنوب اليمن.
تقرير أميركي: حرب نفوذ بين السعودية والإمارات على اليمن والطاقة
ورأت الرياض في هذه التحركات تهديدا مباشرا لأمنها، فردت بقصف شحنة إماراتية متجهة إلى اليمن، متهمة أبوظبي بإرسال أسلحة إلى الانتقالي الجنوبي.
وكانت هذه المرة الأولى التي يصل فيها التوتر بين البلدين إلى حد التعامل العسكري المباشر، ولو بصورة غير مباشرة.
وردت الإمارات بنفي الاتهام وأعلنت سحب قواتها من اليمن فوريا، مما أوقع الجماعة الانفصالية في ورطة جيوسياسية حقيقية في مواجهة قوات مدعومة سعوديا.
ويعتقد المسؤول السعودي أن الإمارات حركت الهجوم انتقاما لما تعده مساعي الرياض لاستصدار عقوبات أمريكية عليها، وهو ما يرسم صورة قاتمة لعلاقة باتت مدفوعة بردود فعل انفعالية بدلا من الحسابات الاستراتيجية الهادئة التي ميزت التحالف في سنواته الأولى.
الورطة الأمريكية: التوازن بين حليفين متخاصمين
يضع هذا الشرخ إدارة ترامب في موقف بالغ الحساسية. فالولايات المتحدة تعتمد على كلتا الدولتين في منظومة سياستها الإقليمية، سواء ما يتعلق بملف غزة أو مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتجمع عائلة الرئيس روابط اقتصادية وثيقة بالطرفين؛ إذ اشترت شركة استثمار مرتبطة بالحكومة الإماراتية ما يقرب من نصف شركة العملات الرقمية التابعة لعائلة ترامب، فيما دخل صندوق الثروة السيادي السعودي في شراكة استثمارية مع شركة تديرها جاريد كوشنر، صهر الرئيس، لتنفيذ صفقة بقيمة 55 مليار دولار.
وقد تجنبت إدارة ترامب حتى الآن الانحياز العلني لأي من الطرفين. وحين سئل ترامب مباشرة في فبراير 2026 عما إذا كان منخرطا في الخلاف، أجاب بالنفي، لكنه لم يغلق الباب، قائلا إنه قد يتدخل، وإن الأمر “سهل الحل”.
خلافات السودان واليمن تنتقل للمنصات: هجوم ضابط سعودي على الإمارات يفضح التوترات الخليجية
وكان واضحا أنه يكرس نمط تعامله المعهود مع الأزمات الدولية، أي إبقاء الخيارات مفتوحة ورسم صورة الوسيط القادر على إيجاد الحلول في اللحظة المناسبة.
التداعيات الإقليمية والدولية الأبعد مدى
لا تبقى تداعيات هذا الخلاف محصورة في الأروقة الخليجية؛ فالسعودية والإمارات دولتان نفطيتان عملاقتان نسجتا نفوذا اقتصاديا وسياسيا يمتد من القارة الأفريقية إلى جنوب آسيا. ويرى المحللون أن تنافسهما يعيد رسم خريطة التحالفات في كل ساحة يتواجدان فيها، من اليمن مرورا بالقرن الأفريقي وصولا إلى السودان.
والإمارات دولة باتت تصنف من بين أكبر المستثمرين في أفريقيا جنوب الصحراء، وطورت وفق ما يرى بعض الباحثين طموحات شبه إمبراطورية تستخدم ثروتها أداة لاكتساب النفوذ والموارد خارج حدودها الجغرافية الضيقة. وفي هذا الإطار، تغدو الحرب السودانية أكثر من مجرد نزاع إقليمي؛ إنها معركة نفوذ بين رؤيتين خليجيتين متعارضتين للأمن الإقليمي وإدارة المصالح.
يضاف إلى ذلك أن تصاعد التوترات بين الرياض وأبوظبي يرسل إشارات مقلقة إلى الأسواق المالية والطاقة التي تعتمد على استقرار منطقة الخليج. فأي تصعيد غير محسوب قد يربك توازنات إنتاج النفط وإمداداته، وهو ما يعكس مدى التشابك العضوي بين الاستقرار الخليجي والمصالح الاقتصادية الدولية.
السعودية والإمارات من التعاون إلى الصراع على النفوذ الإقليمي والموارد… كيف انهار المحور الخليجي ؟
مفترق طرق حساس
يكشف هذا الاتصال الهاتفي الذي بدا في ظاهره دبلوماسيا عاديا عن حقائق أعمق تتعلق بطبيعة العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة. فترامب، بإفصاحه لمحمد بن زايد عن مضمون محادثته مع محمد بن سلمان، تصرف وفق أسلوبه المعهود في التعامل مع الحلفاء: جعل المعلومات الاستراتيجية الحساسة ورقة في لعبة تشابكات المصالح، بصرف النظر عن التداعيات الدبلوماسية.
أما علاقة محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، فقد انتقلت من الشراكة الاستراتيجية إلى التنافس الصريح. وبينما تتواصل تداعيات هذا الشرخ في اليمن والسودان والقرن الأفريقي، تبقى الأسئلة الكبرى مطروحة: هل يمكن إعادة بناء الثقة بين قيادتي البلدين؟ وهل ستنجح واشنطن في إدارة علاقتها مع حليفين باتا في موقف المتخاصمين؟
ما هو مؤكد أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة جديدة تتسم بتحول خريطة التحالفات وتفكك اليقينيات القديمة. والمفارقة البالغة الدلالة أن هذا التحول لم تفجره حرب أو أزمة كبرى، بل اتصال هاتفي لم يتوقع أحد أنه سيعيد رسم ملامح الجغرافيا السياسية الخليجية بمثل هذا العمق والاتساع.










