الناجون من شبكة إبستين يتحدّون ترامب أمام الكونغرس ويكشفون عن ملفات صادمة لم تُنشر بعد
واشنطن – المنشر الإخباري
في خطوة غير مسبوقة، اقتحم عدد من الناجين من شبكة الإتجار الجنسي التابعة للمدان جيفري إبستين خطاب حالة الاتحاد الأميركي الذي ألقاه الرئيس دونالد ترامب أمام الكونغرس مساء الثلاثاء، في لفتة رمزية وسياسية تحمل رسائل صادمة إلى الإدارة الأميركية حول تقصير العدالة والمحاسبة، وسط حضور واسع من النواب الديمقراطيين الذين دعموا حضورهم كضيوف رسميين للحدث.
الناجون، ومن بينهم مارينا لاسيردا، داني بنسكي، وهايلي روبسون، جلسوا في مقاعد الشرف داخل القاعة التي شهدت حضور الرئيس ونواب الكونغرس، حاملين رسالة احتجاجية قوية على ما وصفوه بـ التقصير وعدم المحاسبة الكاملة في قضية إبستين، خاصة بعد أن كشف قانون صدر في أواخر 2025 عن وجوب الإفصاح عن جميع الملفات المتعلقة بالقضية، بما في ذلك أسماء الشخصيات المؤثرة المرتبطة بالمدان.
رسالة الضحايا إلى قلب السياسة الأمريكية
خلال الحدث، أكد المشرعون الديمقراطيون أن وزارة العدل الأميركية تعرضت لضغط كبير من جهات نافذة، أدى إلى إخفاء أجزاء مهمة من ملفات إبستين وتأخير نشرها، وهو ما أثار غضب الضحايا ودفعهم لرفع الصوت علنًا لأول مرة في أحد أكثر الأحداث السياسية أهمية في الولايات المتحدة. وأكد الناجون أن القوانين وحدها لا تكفي، وأن الكشف عن الحقائق ومحاسبة المسؤولين هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة في المؤسسات الأميركية.
المفارقة الكبرى كانت في حضور بعض الديمقراطيين الذين قرروا مقاطعة جزئية للخطاب الرسمي، وتنظيم فعالية موازية بعنوان “حالة الاتحاد للشعب”، احتجاجًا على ما اعتبروه تقاعس الحكومة عن التعامل بجدية مع قضايا العدالة والشفافية، ورفضهم التستر على ملفات تحتوي على أسماء شخصيات نافذة متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في شبكة إبستين.
ترامب وملفات إبستين: بين الإنكار والتبرير
رغم تكرار اسم ترامب آلاف المرات في ملفات إبستين، لم يُشر الرئيس خلال خطابه إلى القضية أو يوضح موقفه من مطالب الضحايا، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول التزامه بالشفافية والعدالة. وكان المراقبون السياسيون قد أشاروا إلى أن هذا الصمت يمثل تحديًا مباشرًا للضغط العام والسياسي، ويزيد من احتمالات استدعائه للاستجواب تحت القسم، خاصة مع استمرار الضغط من قبل المشرعين الديمقراطيين والناجين أنفسهم.
تاريخ العلاقة بين ترامب وإبستين طويل ومعقد، بدءًا من الثمانينيات عندما وُصفت صداقتهما بأنها علاقة اجتماعية تضمنت حضور حفلات مشتركة في مار ألاغو، مرورًا بالقطيعة بينهما في أوائل الألفينات بعد خلافات حول صفقات عقارية، وانتهاء بالتحقيقات الحالية التي تكشف عن وجود سجلات طيران تشير إلى سفر ترامب على متن طائرات إبستين عدة مرات في التسعينيات، وهو ما نفاه الرئيس سابقًا مرارًا.
القانون والضغط السياسي: ضغوط مستمرة
منذ نشر وزارة العدل الأمريكية حوالي 3.5 مليون صفحة من ملفات التحقيق المتعلقة بإبستين في يناير 2026، ظل الضغط على الحكومة مستمرًا، حيث اتهم أعضاء ديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب بحجب ملفات تحتوي على مزاعم غير مؤكدة تتعلق بترامب وإساءة معاملة قاصر في الثمانينيات.
كما طالب الديمقراطيون، بمن فيهم روبرت غارسيا، العضو البارز في اللجنة، بـ استدعاء ترامب فورًا للإدلاء بشهادته حول علاقته بإبستين، مؤكدين أن الشخص المذكور في الملفات أكثر ظهورًا بعد غيسلين ماكسويل، ويجب التحقيق معه بشكل عاجل. وأضافت النائبة الديمقراطية ياسمين أنصاري من ولاية أريزونا: “الشباب في هذا البلد يراقبون ليروا ما إذا كان أصحاب النفوذ سيستمرون في حماية أصحاب النفوذ الآخرين، وما إذا كان الكونغرس سيحاسب هؤلاء الجناة فعلاً”.
حضور الضحايا وتأثيره الرمزي
حضور الضحايا في هذا الحدث السياسي يمثل كسرًا للرقابة التقليدية على ملفات إبستين، وإعادة فتح ملف العلاقات المتشابكة بين السياسيين والشخصيات النافذة من جهة، والمستفيدين من صمت الحكومة من جهة أخرى. ورغم أن الرئيس لم يشر بشكل مباشر إلى ملفات إبستين، فإن وجود الضحايا أمام أعين الكونغرس والإعلام يمثل ضغطًا نفسيًا وسياسيًا إضافيًا عليه، ويعكس حجم الاستياء الشعبي والسياسي تجاه ما اعتبره كثيرون تأخير العدالة وإخفاء الحقائق.
الانقسامات السياسية في واشنطن
هذا الحدث يعكس بوضوح تعمق الانقسامات السياسية في العاصمة الأميركية، حيث تتقاطع قضايا إنفاذ القانون والتحقيقات الجنائية مع الخطابات السياسية الكبرى، مما يجعل الثقة العامة في المؤسسات الأميركية على المحك. ويبدو أن إدارة ترامب تواجه اختبارًا حقيقيًا بين الحفاظ على مكانتها السياسية وبين الاستجابة لمطالب العدالة والشفافية، خاصة في ظل استمرار نشر الوثائق التي تحتوي على أسماء شخصيات نافذة وأحداث دقيقة في شبكة إبستين.
مسار التحقيقات المستقبلية
مع استمرار الكشف عن تفاصيل الملفات، يتوقع الخبراء أن تتزايد الدعوات لاستدعاء ترامب وبيل كلينتون وشخصيات بارزة أخرى للإدلاء بشهاداتهم، ما يجعل قضية إبستين واحدة من أكبر الفضائح السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. ووفقًا للمراقبين، فإن الضغط الشعبي والإعلامي، إلى جانب حضور الضحايا أمام الكونغرس، يمكن أن يدفع الحكومة إلى إعادة تقييم الإجراءات القانونية وضمان محاسبة كاملة للمسؤولين عن الإخفاء أو التستر.
كما يُتوقع أن تستخدم هذه القضية كمنصة سياسية لاستعراض القوة بين الديمقراطيين والجمهوريين، حيث يسعى كل طرف إلى استغلال الملفات لإلحاق الضرر بالخصوم السياسيين، مع التأكيد على أن الضحايا سيظلون في قلب المعركة من أجل العدالة، وأن أصواتهم لن تُتجاهل مرة أخرى.
حضور ضحايا إبستين في خطاب حالة الاتحاد يمثل تحولًا مهمًا في المشهد السياسي الأميركي، حيث لم يعد الحديث عن ملفات إبستين مقتصرًا على التحقيقات القانونية، بل أصبح أداة ضغط سياسي واجتماعي تجبر النخب على المواجهة مع الحقيقة. الرسالة واضحة: المحاسبة والشفافية الكاملة لن تنتظر التراخي السياسي، وأن صوت الضحايا سيكون حاضرًا في قلب الأحداث.










