تونس – المنشر الإخباري | 27 فبراير 2026،شهدت الأروقة القضائية في تونس، اليوم الجمعة، يوما حافلا بالأحكام الثقيلة التي طالت رؤوس الهرم في حركة النهضة الاخوانية ووجوها بارزة في قطاع المال والأعمال، حيث أصدرت محكمة الاستئناف والدوائر الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي أحكاما بالسجن لمدد متفاوتة بلغت في أقصاها 24 عاما، في ملفات تراوحت بين الفساد المالي وتسهيل سفر مقاتلين إلى بؤر التوتر.
تثبيت سجن الغنوشي عامين في قضية “الطرود البريدية”
في المسار الأول، أصدرت الدائرة الجناحية 37 المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي لدى محكمة الاستئناف بتونس حكما غيابيا نهائيا يقضي بإقرار الحكم الابتدائي الصادر بحق رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، والقاضي بسجنه لمدة عامين اثنين.
ويأتي هذا الحكم بعد أن أدانت الدائرة الجناحية السادسة مكرر بالمحكمة الابتدائية الغنوشي بتهمة “جلب أدوات دفع من الخارج عن طريق البريد بدون رخصة”، وهي القضية التي تندرج ضمن سلسلة من الملاحقات القضائية التي تلاحق الرجل الأول في الحركة منذ إعلان الإجراءات الاستثنائية للرئيس قيس سعيد في يوليو 2021.
علي العريض.. 24 عاما سجنا في ملف “التسفير”
وفي حكم هو الأشد من نوعه، أصدرت محكمة الاستئناف حكما بالسجن لمدة 24 عاما بحق رئيس الوزراء السابق والقيادي البارز في حركة النهضة، علي العريض.
وتتعلق التهم الموجهة للعريض بـ “تسهيل سفر تونسيين إلى سوريا لارتكاب جرائم إرهابية” خلال العقد الماضي، إبان توليه حقيبة الداخلية ثم رئاسة الحكومة (2013-2014).
وأفاد مسؤول قضائي بأن الأحكام في قضية “شبكات التسفير” شملت ثمانية أشخاص، بينهم مسؤولون سابقون بوزارة الداخلية، وتراوحت العقوبات بين 3 سنوات و24 عاما. ومن داخل قفص الاتهام، صرخ العريض، المعتقل منذ عام 2022، قائلا: “أنا بريء.. أتعرض للظلم والتنكيل والجحود”، في إشارة إلى أن محاكمته تأتي في سياق تصفية حسابات سياسية.
خلفية الملف: آلاف المقاتلين وشبهات “سيفاكس”
تعود جذور قضية التسفير إلى الفترة التي أعقبت ثورة 2011، حيث سافر آلاف التونسيين (قدرتهم الحكومة عام 2017 بنحو 3 آلاف شخص) للقتال في صفوف تنظيمات متطرفة مثل “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش” في سوريا والعراق وليبيا.
وشملت التحقيقات أسماء ثقيلة في حركة النهضة، مثل الحبيب اللوز، ورجل الأعمال محمد فريخة مدير شركة “سيفاكس” للطيران، حيث يشتبه بتورط الشركة في نقل المقاتلين عبر رحلات منظمة إلى تركيا ثم إلى الأراضي السورية. ويواجه حزب النهضة منذ سنوات اتهامات شعبية وسياسية بتوفير “الغطاء السياسي” لهذه العمليات، وهو ما تنفيه الحركة جملة وتفصيلا.
رد حركة النهضة: “قضايا كيدية لإلهاء الشعب”
من جانبها، سارعت حركة النهضة لإصدار بيان شديد اللهجة، اعتبرت فيه أن هذه الأحكام “تندرج ضمن تمش انتهجته سلطة الانقلاب لاستهداف المعارضين عبر قضايا كيدية وتوظيف للقضاء”.
وحذرت الحركة من أن الهدف الحقيقي لهذه المحاكمات هو “إلهاء الرأي العام عن قضاياه المعيشية المتدهورة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد”.
مروان المبروك.. 5 سنوات وخطايا بـ 15 مليون دينار
ولم تقتصر الأحكام على الطابع السياسي، بل امتدت لتطال أحد أبرز أقطار المال والأعمال في تونس، حيث قضت الدائرة الجناحية السادسة مكرر المختصة في قضايا الفساد المالي بالسجن لمدة 5 أعوام بحق رجل الأعمال مروان المبروك.
إلى جانب العقوبة السالبة للحرية، سلطت المحكمة خطايا مالية ضخمة بحق المبروك بلغت 15 مليون دينار، وذلك إثر إدانته بجرائم ذات صبغة ديوانية ومصرفية وفساد مالي. ويعد المبروك من الشخصيات المثيرة للجدل التي ارتبط اسمها بملفات الأموال المصادرة وصراعات النفوذ المالي في مرحلة ما قبل وبعد الثورة.
دلالات التوقيت: تشديد القبضة القضائية
يرى مراقبون أن صدور هذه الأحكام “النهائية” و”الثقيلة” في يوم واحد يعكس رغبة السلطة الحالية في غلق ملفات العشرية الماضية نهائيا قبل الاستحقاقات السياسية القادمة. كما تشير الأحكام إلى أن المسار القضائي المتعلق بملفات الإرهاب والفساد المالي قد وصل إلى مرحلة “الحسم”، مما يضع حركة النهضة ورموزها في موقف أصعب من أي وقت مضى.










