يتداخل تدخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أزمات الطاقة مع أمن الإمدادات واستقرار أسواق النفط، بين دور رادع يحمي البنية التحتية وخطوط الملاحة، وبين تصعيد جيوسياسي يرفع الأسعار ويزيد من تقلباتها.
وفى ظل حرب أوكرانيا وتوتر العلاقات مع روسيا، بات البعد الطاقوى لأي تحرك للناتو جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن العالمي وسعر برميل النفط.
خلفية: من أمن عسكري إلى أمن طاقة
منذ منتصف العقد الأول من الألفية بدأ الناتو يعترف رسميًا بأن أمن الطاقة جزء من أمن الحلف، مع الحديث عن الاعتماد الكبير على إمدادات النفط والغاز الخارجية وتهديدات الإرهاب للبنية التحتية.
الوثائق المحدثة للحلف تؤكد اليوم أن ضمان الوصول إلى موارد الطاقة، وحماية طرق الإمداد والمنشآت الحيوية، بات عنصرًا محوريًا في التخطيط الدفاعي.
الحلف ينظر إلى الطاقة ليس فقط كسلعة اقتصادية، وإنما كأداة ضغط جيوسياسية قد تستخدمها دول منتِجة أو دول عبور ضد دوله الأعضاء.
تدخل الناتو وحماية البنية التحتية
بعد الهجمات والتخريب الذي طال خطوط أنابيب بحرية مثل «نورد ستريم» تصاعدت مطالب داخل أوروبا بأن يتولى الناتو دورًا أكبر في حماية البنى التحتية للطاقة، من أنابيب الغاز والنفط إلى الكابلات الكهربائية والاتصالات تحت البحر.
في قمة فيلنيوس 2023 أنشأ الحلف مركزًا بحريًا لتأمين البنى التحتية تحت سطح البحر ضمن قيادته البحرية، يركز على ردع الهجمات التقليدية والهجينة ضد خطوط الطاقة.
يتضمن ذلك دوريات بحرية، مراقبة عبر الأقمار الصناعية، تدريبات مشتركة مع الدول الأعضاء، وتعزيز الدفاع السيبراني عن الشبكات التي تدير خطوط الأنابيب ومحطات التكرير.
هذه الإجراءات تقلل من مخاطر الانقطاع المفاجئ للإمدادات بسبب التخريب أو الهجمات، ما يساهم في تهدئة مخاوف الأسواق ويحد من القفزات السعرية الناتجة عن المخاطر الأمنية.
الأزمات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط
الأزمة الأبرز كانت الحرب الروسية الأوكرانية، حيث مثّل التصادم بين روسيا والناتو – سياسيًا وعسكريًا غير مباشر – نقطة تحوّل في سوق الطاقة العالمي.
دراسات اقتصادية تُظهر أن الحرب وما تبعها من سلسلة أحداث وعقوبات تسببت في زيادة سعر خام غرب تكساس بحوالي 37 دولارًا بنسبة 52%، وارتفاع خام برنت بنحو 41 دولارًا بنسبة 56% خلال أشهر قليلة من 2021–2022.
مع كل خطوة تصعيد، سواء توسع الدعم العسكري الأطلنطي لأوكرانيا أو تشديد العقوبات الغربية، كانت الأسواق تتوقع نقصًا أكبر في المعروض الروسي، ما أدى إلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار ثم تراجعها مع تبدل التوقعات.
على المدى الطويل، ساهمت الأزمة في تغيير اتجاهات التجارة النفطية، حيث تحول جزء كبير من صادرات روسيا نحو آسيا بخصومات كبيرة، بينما اتجهت أوروبا نحو مصادر بديلة من الشرق الأوسط وأمريكا وإفريقيا.
العقوبات وسقف الأسعار وتأثيرها على السوق
دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي – ومعظمها أعضاء في الناتو – فرضت آلية «سقف السعر» على النفط الروسي، تسمح باستمرار تدفق الإمدادات بشرط بيعها دون مستوى معين للحد من عوائد موسكو.
تشير بيانات رسمية أمريكية إلى أن عائدات الضرائب النفطية الروسية تراجعت بأكثر من 40% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2023 مقارنة بعام 2022، رغم بقاء حجم الصادرات البحرية تقريبًا عند 6–6.2 مليون برميل يوميًا.
في المقابل، حافظت الأسواق على مستوى معقول من الإمدادات، لكن على حساب زيادة تعقيد منظومة النقل وظهور ما يسمى «أسطول الظل» من الناقلات خارج المنظومة الغربية، بما يضيف طبقة جديدة من المخاطر وعدم الشفافية للسوق.
هذا المزيج من استمرار التدفقات مع خفض عوائد المنتج المستهدف أدى إلى اتساع الفارق بين سعر خام «أورال» الروسي وخام «برنت»، وربط كثير من المحللين هذا الاتساع بتشديد تنفيذ سقف السعر.
أمن الطاقة: مكاسب ومخاطر لتدخل الناتومن زاوية إيجابية، يوفّر وجود الناتو في البحار والمضائق خطوط حماية للناقلات البحرية وطرق التجارة التي تحمل النفط والغاز إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يقلل احتمالات القرصنة أو الإغلاق بالقوة لممرات حيوية مثل بحر الشمال أو شرق المتوسط.
كما أن التنسيق بين الناتو والاتحاد الأوروبي في مجال أمن الطاقة شجع على سياسات تنويع مصادر الإمداد والاستثمار في الغاز المسال والطاقة المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على مورد واحد يمكن أن يستخدم الطاقة كسلاح سياسي.
لكن الوجه الآخر هو أن أي تحرك عسكري أو توسع لنطاق الحلف قرب مناطق منتِجة للطاقة أو خطوط عبور رئيسية قد يُفسَّر كتصعيد من القوى المنافسة، فيرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط ويدفع المتعاملين إلى المضاربة.
مثال على ذلك أن كل جولة توتر بين روسيا والناتو حول البحر الأسود أو بحر البلطيق انعكست سريعًا على الأسعار الفورية والآجلة، بفعل fears من عرقلة الصادرات الروسية أو تهديد منشآت في أوروبا.
إلى أين يتجه تأثير الناتو على سوق النفط؟
التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن أمن الطاقة سيظل جزءًا أساسيًا من مهام الناتو، مع توسع حماية البنى التحتية تحت البحر وربطها بالدفاع السيبراني والتصدي للهجمات الهجينة.
في المدى المتوسط، من المرجح أن يشجع هذا الدور على استثمارات أكبر في ممرات وأنابيب بديلة، ومرافئ غاز مسال جديدة في أوروبا، ما يخلق شبكة أكثر تنوعًا ويخفف من تأثير أي صدمة مفردة على سوق النفط.
في المقابل، استمرار التنافس بين الحلف وخصومه على النفوذ في مناطق غنية بالطاقة – من روسيا إلى شرق المتوسط والقطب الشمالي – سيُبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية حاضرة في تسعير النفط، حتى في فترات وفرة المعروض.
لذلك يبدو أن تدخل الناتو يحمل تأثيرًا مزدوجًا: حماية بنية الإمدادات من جهة، لكنه يعمّق ربط النفط بخريطة الصراع الدولي من جهة أخرى، وهو ما يجعل السعر رهينة الأمن كما العرض والطلب معًا.










