في مشهد يعكس مفارقة قاسية بين الحياة اليومية وصناعة القرار العسكري، شهدت مطاعم البيتزا المحيطة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في الساعات الأخيرة موجة طلب غير عادية، مع توافد عسكريين وموظفين ومدنيين لطلب وجباتهم المفضلة، بينما كانت شاشات التلفزة والهواتف تنقل مباشرة مشاهد القصف الواسع على إيران.
في الخارج سيارات توصيل لا تهدأ، وفي الداخل شاشات تعرض خرائط لضربات جوية وصور لانفجارات في طهران ومدن إيرانية أخرى، كأنما العالم ينقسم بين من يحسب عدد الصواريخ، ومن يحصي عدد شرائح البيتزا.
اللافت، بحسب روايات متداولة في محيط العاصمة الأمريكية، أن بعض مطاعم البيتزا القريبة من البنتاجون تلقّت خلال تلك الليلة طلبات جماعية بأعداد كبيرة، تحمل عناوين لمبانٍ حكومية أو شركات متعاقدة مع البنتاجون، مع ملاحظات بسيطة مرفقة من نوع: «نحتاجها بسرعة… ليلة عمل طويلة».
هذه العبارة القصيرة تختزل الكثير؛ فـ«ليلة العمل الطويلة» هنا ليست جلسة عصف ذهني لمشروع تجاري، بل متابعة عمليات عسكرية تُعيد رسم خريطة التوتر في الشرق الأوسط، بينما تُستخدم البيتزا كوقود سهل للهضم في غرفة التخطيط للحروب.
داخل بعض هذه المطاعم، جلس موظفون وإعلاميون وعاملون في شركات أمنية خاصة يتابعون على شاشات عملاقة بثًا مباشرًا للقنوات الإخبارية التي تنقل تفاصيل الضربة على إيران، فيما تتكدس علب البيتزا على الطاولات.
المشهد يبدو عاديًا للوهلة الأولى: أصدقاء يتابعون «حدثًا مهمًا» ويأكلون، لكنه في الحقيقة يُجسّد ثقافة أمريكية راسخة في «تطبيع» الحرب كعرض تلفزيوني يمكن مشاهدته مع وجبة خفيفة، بعيدًا عن الأصوات الحقيقية للانفجارات وأنين الضحايا على الأرض.في الضفة الأخرى من الصورة، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات، كان إيقاع الليل مختلفًا تمامًا فوق سماء إيران؛ صافرات إنذار، طائرات تحلّق، سكان يهرعون إلى الملاجئ أو يلتصقون بالنوافذ في حالة صدمة وذهول.
بينما يتجادل البعض في مطاعم واشنطن حول إضافة المزيد من الجبن أو اختيار «بيبروني أم مارجريتا»، كان آخرون في أحياء إيرانية يتناقشون في شيء واحد فقط: كيف يمكن حماية الأطفال إن سقط صاروخ قريب أو انهار مبنى مجاور؟
هذه الازدواجية القاسية بين «الفرجة» و«المعاناة» تشكّل قلب المفارقة الأخلاقية التي يثيرها المشهد.مصادر غير رسمية في قطاع المطاعم المحلي تتحدث عن أن ليالي العمليات العسكرية الكبرى عادة ما تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على الوجبات السريعة في مناطق قريبة من مراكز القرار، إذ يميل الموظفون في وزارات الدفاع والهيئات الأمنية إلى البقاء في مكاتبهم لساعات أطول، ما يعني اعتمادًا شبه كامل على الطعام الجاهز.
لكن ما يميّز «ليلة إيران» كما يصفها بعض العاملين، هو المزج الواضح بين أجواء «السهرة الجماعية» و«الحدث التاريخي»؛ ضحك، تعليقات، نقاشات سياسية عابرة، وصور مدن تتعرض للقصف تظهر في الخلفية.
على المستوى الرمزي، تتحول البيتزا هنا إلى أكثر من مجرد طعام؛ إنها تعبير عن فلسفة ترى أن الحرب يمكن أن تكون «جزءًا من روتين الحياة»، وأن متابعة سقوط القنابل لا تمنع من طلب قطعة أخرى ساخنة.
في السينما الأمريكية سبق أن ظهرت هذه الصورة مرارًا: ضباط في غرف عمليات يراقبون ضربات بطائرات بدون طيار وهم يحتسون القهوة أو يلوكون وجبات سريعة. الجديد الآن أن هذه الصورة لم تعد مجرد مشهد درامي، بل تكاد تتحول إلى جزء من السرد الواقعي لليالي القصف على عواصم المنطقة.
بعض المنتقدين في الولايات المتحدة وخارجها يلتقطون هذا التفصيل ليبنوا عليه سردية أوسع عن «استهانة» المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية بآلام شعوب أخرى. فحين تتحول الحرب إلى ما يشبه مباراة حماسية تُتابَع على الشاشات الكبيرة داخل مطاعم البيتزا والبارات، يشعر كثيرون بأن حياة الناس في الشرق الأوسط تُختزل في كونها مادة فرجوية للآخرين، فيما تُترك لهم وحدهم مهمة دفن الضحايا وإصلاح ما تهدم.
يذهب هؤلاء إلى القول إن المشهد يجسد فجوة عميقة بين مركز القوة الذي يضغط على الأزرار، والأطراف التي تتلقى الضربات على رؤوسها.مع ذلك، يشير آخرون إلى أن العاملين في هذه المطاعم themselves ليسوا صناع قرار، بل أفراد عاديون يحاولون مواكبة يوميات قاسية في مدينة تعيش على إيقاع السياسة والحروب.
بعضهم مهاجرون من دول شهدت حروبًا مشابهة، وقد يكونون يعيشون بدورهم تناقضًا داخليًا بين حاجة العمل وذاكرة الأوطان البعيدة.
في هذه الزاوية، تبدو مطاعم البيتزا مجرد «مرآة» تعكس طريقة تعامل المجتمع الأوسع مع الحروب التي تُخاض باسمه أو بدونه.مهما اختلفت القراءة، يبقى المشهد نفسه صادمًا: في لحظة واحدة، تستطيع أن ترى على شاشة واحدة انفجارًا في ضاحية من ضواحي طهران، وبجانبها إعلانًا ترويجيًا عن «عرض خاص على البيتزا العائلية الليلة».
وبينما ينشغل المخطّطون العسكريون في البنتاجون بمراجعة قوائم الأهداف ومعدلات النجاح، تنشغل المطاعم بإدارة طوابير الطلبات على العجين والجبن. هناك من يكتب تاريخ المنطقة بالنار والحديد، وهناك من يُسجّل أعلى مبيعات في ليلة واحدة.
في النهاية، قد تُنسى تفاصيل الضربة: عدد الصواريخ، أسماء العمليات العسكرية، وتصريحات المتحدثين الرسميين، لكن الصور الصغيرة تبقى عالقة في الذاكرة؛ طفل إيراني يرتجف من صوت الانفجار، وضابط أمريكي يمسح آثار الصلصة عن يده بينما يقترب موعد موجة القصف التالية على الشاشة.
بين هاتين الصورتين تتجسّد القصة الكاملة لعصر تُدار فيه الحروب عن بُعد، وتُؤكل فيه البيتزا على مهل، بينما تُلتهم مدن بأكملها في الطرف الآخر من الكرة الأرضية










