فى عز أزمة الانقطاعات: لماذا لم تتوقف مصر عن تصدير الكهرباء لعَمّان والخرطوم؟
تعزز مصر حضورها على خريطة الطاقة الإقليمية من خلال استمرارها فى تصدير الكهرباء إلى كل من الأردن والسودان عبر مشروعات الربط الكهربائى العابرة للحدود، فى إطار خطة طموحة للتحول إلى مركز إقليمى لتبادل الطاقة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.
وبرغم الضغوط التى شهدتها الشبكة الكهربائية المصرية بسبب موجات الأحمال المرتفعة وانقطاعات التيار خلال فترات الذروة فى السنوات الأخيرة، فإن القاهرة حافظت على التزاماتها التعاقدية مع شركائها الإقليميين فى مجال تبادل الكهرباء.
ربط كهربائى مع الأردن بطاقة متصاعدة
يعد الربط الكهربائى بين مصر والأردن أحد أقدم مشروعات التبادل الكهربائى فى المنطقة، إذ يعمل منذ سنوات عبر كابل يمر بخليج العقبة بطاقة تبلغ حاليًا نحو 500 ميجاوات.
وخلال عام 2025 صدّرت مصر إلى الأردن نحو 306 مليون كيلوات/ساعة من الكهرباء، بعائد مالى قُدِّر بحوالى 28.2 مليون دولار، وفق بيانات وزارة الكهرباء المصرية.
هذا التعاون لم يتوقف عند حدود الأرقام الحالية، إذ اتفق الجانبان على رفع القدرة الاستيعابية لخط الربط تدريجيًا لتصل إلى 1000 ميجاوات، مع خطة أبعد لزيادة الطاقة إلى 2000 ميجاوات فى إطار مشروع أوسع للربط الكهربائى العربى يشمل العراق ودولًا أخرى فى المشرق.
وتراهن القاهرة وعمّان على أن تعزيز الربط لن يخدم فقط تبادل الكهرباء بين البلدين، بل سيفتح الباب لتسويق الفائض الكهربائى المصرى فى أسواق عربية أخرى مرورًا بالأردن.
التزام بالتصدير رغم التحديات الداخلية
مصادر فى وزارة الكهرباء المصرية أكدت أن مصر لم توقف ضخ الكهرباء إلى الأردن، حتى فى فترات تطبيق برامج تخفيف الأحمال داخليًا، مرجعة ذلك إلى أن اتفاقات التبادل الكهربائى ملزِمة ولا يمكن الإخلال بها.
ويجرى التنسيق على مستوى القيادات السياسية والوزارية لضمان استمرار هذه الإمدادات مع بحث آليات تسوية المستحقات المالية المتراكمة، خاصة فى ظل الضغوط الاقتصادية التى تشهدها المنطقة.
وترى القاهرة أن الحفاظ على مصداقيتها التعاقدية يعزز صورتها كطرف موثوق فى معادلة الطاقة الإقليمية، ويمهّد لمشروعات أكبر تشمل الربط مع السعودية وأوروبا عبر اليونان وإيطاليا، إلى جانب استمرار التعاون مع دول المشرق العربى.
كهرباء مصرية تعبر الحدود إلى السودان
على الضفة الأخرى من الجنوب، يبرز مشروع الربط الكهربائى بين مصر والسودان باعتباره بوابة لدمج شبكات الطاقة بين وادى النيل، وتقوية الاعتماد المتبادل بين البلدين.
وتكشف بيانات رسمية أن مصر تصدّر يوميًا ما بين 60 و80 ميجاوات من الكهرباء إلى السودان، ضمن اتفاق تبادل يعتمد فى الأساس على تزويد الشبكة السودانية بجزء من احتياجاتها، مع إمكانية أن تستفيد القاهرة لاحقًا من التيار فى حال وجود فائض سودانى.
تبلغ القدرة الحالية للمرحلة الأولى من خط الربط حوالى 80 إلى 100 ميجاوات، فيما تعمل الشركات المختصة على رفع السعة تدريجيًا لتصل إلى 300 ميجاوات، بتكلفة استثمارية تقارب 28 مليون دولار لرفع قدرة الخط، وفق وزارة الكهرباء المصرية.
ويبلغ طول خط الربط نحو 167 كيلومترًا بين توشكى فى جنوب مصر ووادى حلفا شمال السودان، مع تصميم يسمح بزيادة الفولتية والقدرة فى مراحل لاحقة حسب الاحتياجات.
بوابة لممر طاقة أفريقى واسعلا ينفصل الربط المصرى السودانى عن رؤية أشمل لإنشاء ممر لنقل الكهرباء عبر شرق أفريقيا، ضمن مشروع “ممر نقل الطاقة شمال–جنوب” الذى يمتد من مصر مرورًا بالسودان وإثيوبيا وكينيا وصولًا إلى دول الجنوب الأفريقى.
ويُتوقع أن يتحول الربط بين القاهرة والخرطوم إلى حلقة مهمة فى ربط تجمعات الطاقة شرق القارة وجنوبها، بما يسهل نقل الطاقة المولَّدة من السدود الكبرى ومشروعات الطاقة المتجددة إلى أسواق جديدة.
بالنسبة للسودان، تمثل الكهرباء المستوردة من مصر عامل دعم مهم لشبكة تعانى من نقص القدرات التوليدية وتحديات البنية التحتية، بينما يمنح المشروع لمصر منفذًا إضافيًا لتصريف فائض إنتاجها واستغلال استثماراتها الضخمة فى محطات التوليد التقليدية والمتجددة.
مصر.. نحو مركز إقليمى للطاقةتأتى صادرات الكهرباء إلى الأردن والسودان ضمن استراتيجية أوسع أعلنتها الحكومة المصرية لتحويل البلاد إلى مركز إقليمى للطاقة، يشمل الغاز الطبيعى والكهرباء والطاقة المتجددة.
ووفق تصريحات رسمية، تستهدف القاهرة الوصول بحجم الربط الكهربائى الإقليمى إلى نحو 3.9 جيجاوات مع دول الجوار بحلول 2026، مستفيدة من فائض إنتاج محلى يتجاوز حاليًا احتياجات الاستهلاك الداخلى الفعلى.
كما تعمل مصر على تعزيز نصيب الطاقة المتجددة فى مزيج الكهرباء للوصول إلى ما يقارب 35% بحلول 2035، ما يزيد من جاذبية صادراتها الكهربائية للدول التى تبحث عن مصادر أنظف للطاقة.
وتلقى هذه المشاريع دعمًا تمويليًا من مؤسسات دولية، من بينها البنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية والاتحاد الأوروبى، اللذان قدّما حزم تمويل لتطوير شبكة النقل ورفع كفاءتها.
مكاسب سياسية واقتصادية مشتركة
لا تقتصر أهمية تصدير الكهرباء للأردن والسودان على البعد الاقتصادى المباشر، المتمثل فى زيادة الإيرادات الدولارية وتحسين استغلال الفائض الإنتاجى، بل تمتد إلى تعزيز الروابط السياسية والاستراتيجية بين مصر وكل من المشرق العربى والعمق الأفريقى.
فالتشابك الكهربائى يعمّق الاعتماد المتبادل، ويجعل من التعاون فى ملف الطاقة ورقة إضافية فى تعزيز الاستقرار والعلاقات المتبادلة.
وبينما تواصل القاهرة مفاوضاتها لتوسيع نطاق الربط مع دول أخرى، من بينها السعودية ودول المتوسط، يبقى الخطان المتجهان إلى الأردن والسودان نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الطاقة كأداة للتقارب الإقليمى، وتحويل الشبكة المصرية إلى منصة عبور للطاقة بين قارتين.










