أديس أبابا – المنشر الاخباري| 10 مارس 2026، في وقت متأخر من الليل في ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي، يبدو المشهد قاتما ومحملا بالهواجس؛ حيث يحتشد العشرات من الشبان الذين يحملون حقائب الظهر والحقائب البسيطة، بحثا عن مقعد في حافلة متجهة إلى أديس أبابا. هؤلاء ليسوا مسافرين عاديين، بل هم فارون من نذر شؤم بدأت تلوح في أفق الإقليم الذي لم يكد يلملم جراحه بعد.
آبل، الشاب البالغ من العمر 23 عاما، هو أحد هؤلاء. لقد قاتل سابقا في صفوف قوات الدفاع التيغرايانية خلال الحرب الأهلية الدامية ضد الحكومة الفيدرالية بين عامي 2020 و2022، وهي الحرب التي خلفت وراءها حصيلة كارثية بلغت ما لا يقل عن 600 ألف قتيل. اليوم، يملأ الرعب قلبه من احتمال اندلاع صراع جديد وشيك يمحو ما تبقى من رمق الحياة في منطقته.
يقول آبل، الذي تم تغيير اسمه لحماية هويته: “لم يعد المكان آمنا هنا. لقد رأيت الناس يموتون بأم عيني. لا أريد أن أعيش تلك الأهوال مجددا، ولا أريد أن تدركني الحرب في مخبئي مرة أخرى”. كلمات آبل تعكس حالة عامة من اليأس تسيطر على سكان الإقليم الذين باتوا يشعرون أن السلام الذي وقع في “بريتوريا” لم يكن سوى استراحة محارب قصيرة.
نذر الصراع والتحشيد العسكري
بينما تشعل الحروب أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، يلوح في الأفق صراع آخر لا يقل ضراوة في منطقة القرن الأفريقي. المؤشرات الميدانية تشير إلى أن القوات الفيدرالية وقوات تيغراي تعيد التمركز والتحشيد مرة أخرى على حدودهما المشتركة.
ويرى مراقبون أن اتفاقية السلام التي أنهت الحرب الأهلية الأخيرة في عام 2022 لم تنفذ بنودها الجوهرية بشكل كامل، مما أبقى العلاقات بين ميكيلي وأديس أبابا متقلبة للغاية. وما زاد الطين بلة هو تدهور العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا المجاورة، مما جعل إقليم تيغراي يقع مجددا في كماشة التوترات الإقليمية.
على الرغم من غياب الأرقام الرسمية الدقيقة، تؤكد التقارير الميدانية أن المئات يفرون من تيغراي يوميا. المنطقة التي كانت موطنا لنحو ستة ملايين نسمة قبل الحرب، تشهد الآن نزيفا بشريا مستمرا عبر الحافلات أو الطائرات لمن استطاع إليها سبيلا. يسعى آبل للانضمام إلى قوافل المغادرين، لكن المهمة ليست سهلة؛ فالحافلات غاصة بالركاب في رحلة الـ 700 كيلومتر الشاقة نحو العاصمة أديس أبابا، التي تعد الملاذ الأخير نسبيا في بلد تمزقه النزاعات المحلية.
اقتصاد منهار ومدن مهجورة
داخل تيغراي، تتفاقم الأزمات المعيشية بشكل مخيف. النقص الحاد في المنتجات الأساسية دفع الباعة المتجولين لبيع زجاجات البنزين المهرب عند التقاطعات بأسعار فلكية، حيث ارتفعت الأسعار من 300 إلى 430 بر إثيوبي (حوالي 1.90 إلى 2.80 دولار) في غضون أيام قليلة.
هذا الانهيار الاقتصادي يعود جزئيا إلى خفض السلطات الفيدرالية للدعم المالي المقدم للمنطقة منذ أشهر، مما أدى لتوقف رواتب موظفي الخدمة المدنية وجفاف السيولة في البنوك. وأثناء التوجه جنوبا نحو بلدة “تشيرشر”، تبرز الدبابات المدمرة على جوانب الطرق كشواهد صامتة على ضراوة المعارك السابقة.
في “تشيرشر”، التي تبعد 150 كيلومترا عن ميكيلي، يعيش السكان حالة من التأهب والذعر. في يناير الماضي، اندلعت مناوشات قصيرة في المنطقة أثارت مخاوف من عودة الصراع الشامل. ماهليت تيريفي، البالغة من العمر 23 عاما، فرت مؤقتا مع ابنها الصغير عند سماع دوي المدفعية، ورغم عودتها لفتح كشكها الصغير، إلا أنها تقول بمرارة: “المكان مهجور، لا يوجد أحد ليشتري. أريد المغادرة قبل أن تبدأ الحرب الفعلية، أنا خائفة جدا”.
اتهامات متبادلة وأفق مسدود
سياسيا، تتبادل الإدارة الفيدرالية وقيادة تيغراي الاتهامات بخرق التهدئة. أمانويل أسيفا، القيادي في جبهة تحرير شعب تيغراي، صرح علانية بأن “القوات الفيدرالية تتقدم من جميع الجهات، وتيغراي باتت محاصرة بالكامل”، معتبرا أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو “انفجار الوضع”.
في المقابل، حاول رئيس الوزراء آبي أحمد تهدئة الأجواء بخطاب غير مألوف باللغة التغرينية، مؤكدا أنه “لا يريد الحرب”، لكنه في الوقت ذاته اتهم الجبهة بالتعنت ورفض تقديم تنازلات. وسط هذا الضجيج السياسي، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الكبرى، مثل برهان أدهانا، صاحب كشك التوابل، الذي يلخص المأساة قائلا: “الحرب مدمرة، تدمر الأوطان ولن نجني منها سوى الخراب”.
لقد باتت تيغراي اليوم تعيش على وقع دقات طبول الحرب، وبينما يحاول البعض الفرار، ينتظر الباقون مصيرا مجهولا في إقليم لم يذق طعم الاستقرار منذ سنوات.










