صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية: الدمار الهائل في طهران خفّض من توقعات الانهيار السريع للنظام، ودفع شريحة كبيرة من السكان لتفضيل الأمن الداخلي والسلام على التغيير القسري للنظام
لندن – 11 مارس 2026 المنشر_الاخباري
بعد أكثر من أسبوعين من اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأ الإيرانيون يعيدون تقييم مواقفهم تجاه أي تغييرات جذرية للنظام السياسي القائم. فقد خلّفت الضربات الجوية، التي استهدفت طهران في 28 فبراير وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، أضراراً واسعة في العاصمة ومناطق أخرى، بما في ذلك أكثر من ألف مدني بين قتيل وجريح، وتدمير آلاف المنازل، وتضرر البنية التحتية الحيوية والمواقع التاريخية.
في البداية، أثارت هذه الهجمات آمالاً لدى بعض شرائح الشعب الإيراني في انهيار سريع للجمهورية الإسلامية وفتح الطريق أمام إصلاحات كبيرة أو تغيير سياسي. لكن الواقع الميداني، وحجم الدمار البشري والمادي، أجبر الكثيرين على إعادة النظر في تلك التوقعات. وبدأت شريحة كبيرة من المواطنين ترى أن الحفاظ على استقرار الدولة ومنع الانزلاق إلى فوضى أو صراع داخلي طويل الأمد أصبح أولوية قصوى، حتى لو كان ذلك على حساب تأجيل أي تغييرات سياسية جذرية.
ويشير محللون سياسيون إلى أن هذه الحرب أطلقت ردود فعل وطنية غير مسبوقة، عززت من صمود النظام السياسي، وأعاد الشعب الإيراني إلى التركيز على الوحدة الداخلية وحماية البلاد من الانقسام. وقد لعبت هذه الأوضاع دوراً في تسريع تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، كقائد جديد للبلاد، في خطوة اعتبرت من قبل بعض الخبراء تعزيزاً لاستمرارية الحكم وفرض استقرار نسبي وسط أجواء الحرب والتهديدات الخارجية.
وفي تقييمهم للوضع، يرى بعض المراقبين أن الحرب لم تقتصر تأثيراتها على الجانب العسكري أو البنى التحتية فحسب، بل امتدت إلى الجوانب النفسية والاجتماعية للشعب، حيث ارتبطت فكرة التغيير السياسي بالخوف من انهيار الدولة، ومن هنا ظهر ميل شعبي واضح نحو التمسك بالأمن الداخلي والاستقرار على المدى القصير. ويضيف هؤلاء أن جزءاً من هذه الظاهرة يمكن تفسيره باعتبارات عملية، إذ أن الكثير من الأسر فقدت منازلها أو شهدت تدميراً لمرافقها الأساسية، ما جعلها أكثر اهتماماً بتلبية احتياجاتها اليومية والبقاء ضمن بيئة مستقرة نسبياً.
تزامن ذلك مع تصاعد الخطاب الوطني الذي يرفض التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية، ويرفض أي محاولات لتغيير النظام بالقوة أو عبر ضغوط خارجية. وهذا بدوره عزز من موقف الحكومة الجديدة في الحفاظ على وحدة المؤسسات والسلطة المركزية، وتقديم نفسها كجهة قادرة على حماية المواطنين من تبعات الصراع العسكري على المستوى الداخلي.
كما أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي أطاحت بالبرنامج النووي الإيراني جزئياً، وأضعفت وكلاء إيران في المنطقة، لم تؤدّ إلى انهيار كامل كما توقعت بعض الدوائر الخارجية. بل على العكس، أعادت هذه التجربة صياغة توقعات السكان المحليين حول ما يمكن أن تحققه الضغوط الخارجية، وجعلتهم أكثر حذراً في دعم أي تغيير سياسي سريع، خصوصاً إذا كان مفروضاً من الخارج.
من جهة أخرى، يشير الخبراء إلى أن هذه المرحلة قد تشهد مزيداً من التركيز على الحلول السياسية والاقتصادية الداخلية، بحيث يتم معالجة آثار الحرب والدمار وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. ومن المتوقع أن يكون للتركيز على الاستقرار الداخلي أولوية على أي مشاريع لإعادة تشكيل النظام أو تغييره بالقوة خلال الفترة القادمة.
في النهاية، يبدو أن الحرب، رغم دمويتها الكبيرة، قد أعادت صياغة المشهد السياسي الإيراني من الداخل، وجعلت الكثيرين يزنون بين خيار التغيير السريع وخيار الاستقرار والسلام الداخلي. ومع مرور الأيام، ستصبح قدرة النظام الجديد على إدارة آثار الحرب والتحديات الاقتصادية والاجتماعية عاملاً محورياً في تحديد موقف الشعب الإيراني من أي تغييرات مستقبلية، مع بقاء الاستقرار الداخلي والعيش بأمان أولوية قصوى.










