اختلاف الأهداف بين ترامب ونتنياهو يزيد من تعقيد مسار العمليات العسكرية
واشنطن – 11 مارس 2026 المنشر الإخبارى
تتصاعد التوترات داخل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي بشأن الحرب في إيران، حيث تتباين الرؤى حول أهداف الحرب، وتوقيت إنهاء العمليات العسكرية، وشروط وقف إطلاق النار. في الوقت الذي يشير فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قرب الحملة العسكرية من تحقيق أهدافها، تميل إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تمديد العمليات، ما يخلق فجوة استراتيجية كبيرة تهدد التنسيق العسكري والسياسي بين الطرفين.
اتصالات مكثفة بين البيت الأبيض وتل أبيب
وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن ترامب يتواصل بشكل شبه يومي مع نتنياهو منذ بداية الحرب، وأحيانًا أكثر من مرة في اليوم، في محادثات تهدف إلى تقييم مسار العمليات العسكرية والتباحث حول سيناريوهات إنهاء الحرب.
كما أجري نتنياهو محادثات مستقلة مع ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، وجاريد كوشنر، صهر ترامب والمبعوث الخاص لملف إيران، للبحث في الخطوات القادمة. هذه الاتصالات تركز على محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين، لكن هناك مخاوف في البيت الأبيض من أن إسرائيل قد ترغب في استمرار العمليات العسكرية حتى بعد أن تقرر واشنطن إنهاء حملتها الجوية.
المصادر الأمريكية والإسرائيلية تشير إلى أن إسرائيل ستوقف عملياتها في إيران عند إنهاء الولايات المتحدة مشاركتها في القتال، إلا أن ترامب يسعى لإنهاء الحرب وفق شروطه الخاصة، مستندًا إلى اعتقاده بقدرته على التحكم في وتيرة الصراع كما فعل بعد وساطته لوقف إطلاق النار في حرب استمرت 12 يومًا العام الماضي.
وأكدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن “إنهاء مشاركة الولايات المتحدة في هذا الصراع سيقرره القائد الأعلى للقوات المسلحة عندما يرى أن الأهداف العسكرية قد تحققت بالكامل، وأن تهديد النظام الإيراني قد تم القضاء عليه”.
صدام الأهداف: الولايات المتحدة وإسرائيل
الاختلافات بين واشنطن وتل أبيب بدأت تظهر منذ الأسابيع الأولى للحملة. بينما تركز الولايات المتحدة على ضرب القدرات العسكرية الإيرانية، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات البحرية، تسعى إسرائيل لتوسيع نطاق أهدافها ليشمل كبار المسؤولين في النظام الإيراني، بالإضافة إلى المنشآت الاقتصادية الحيوية، بما فيها قطاع النفط، في محاولة للضغط على القيادة الإيرانية.
مصادر أمريكية أكدت أن واشنطن أبلغت إسرائيل بعدم رضاها عن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة الإيرانية، وطالبت بعدم تكرارها إلا بعد التنسيق مع الولايات المتحدة. وقد أفاد موقع أكسيوس سابقًا بأن الإدارة الأمريكية طلبت من إسرائيل التوقف عن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران لتفادي تصعيد الصراع أو إرباك الأسواق العالمية.
خطاب نتنياهو وتصعيد الطموحات
بعد ساعات من تصريحات ترامب التي أكد فيها أن الحملة العسكرية أصبحت “مكتملة تقريبًا”، شدد نتنياهو على أهداف أكثر طموحًا للحرب، قائلاً إن إسرائيل تسعى إلى “تمكين الشعب الإيراني من التخلص من حكم الاستبداد”. وأضاف أن العمليات العسكرية التي نفذت حتى الآن “تكسر عظام النظام الإيراني”، وأن الحملة لا تزال مستمرة دون توقف.
هذه التصريحات تؤكد الفجوة الاستراتيجية بين إدارة ترامب، التي تميل لتقليص العمليات بعد تحقيق الأهداف العسكرية، وبين إسرائيل التي تسعى لتوسيع نطاق الضربات لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية أوسع.
تباين الأولويات منذ بداية الحرب
كان تباين الأولويات واضحًا منذ المراحل الأولى للحملة الجوية. فقد صرح إلبريدج كولبي، المسؤول الأول عن السياسات في البنتاغون، أمام الكونغرس أن الضربة التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي جاءت ضمن سلسلة “عمليات إسرائيلية”، بينما ركزت الأهداف الأمريكية على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقد شهدت أهداف واشنطن تعديلًا خلال الأيام الأولى للحرب؛ ففي البداية دعا ترامب صراحة إلى تغيير النظام في طهران، لكنه عاد لاحقًا ليؤكد أن الولايات المتحدة حققت معظم أهدافها العسكرية، وأن العمليات تسير “أسرع بكثير من الجدول المتوقع”.
كما تبنى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومسؤولون كبار في البنتاغون رؤية أكثر محدودة للحرب، تركز على إضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بدلاً من الإطاحة بالنظام، معتبرين أن القوة الجوية وحدها نادرًا ما تؤدي إلى تغيير الحكومات في الحروب الحديثة.
صمود نسبي للنظام الإيراني
رغم الضربات المكثفة، أظهر النظام الإيراني قدرة على الصمود خلال الأيام الأخيرة. فقد تم اختيار مرشد أعلى جديد بعد مقتل خامنئي، واستمرت طهران في إغلاق مضيق هرمز أمام جزء من حركة شحن النفط، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، ما يعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه التوترات في المنطقة.
ويشير علي واعظ، مدير مشروع إيران في منظمة “مجموعة الأزمات الدولية”، إلى أن إدارة ترامب تواجه مأزقًا مألوفًا في الحروب: “من الأسهل بكثير بدء حرب من إنهائها”. وأضاف أن الإشارة إلى وقف القصف دون مسار دبلوماسي واضح قد يمنح إيران حافزًا لاستخدام ورقة مضيق هرمز كأداة ضغط، بينما لا تجد إسرائيل سببًا لإيقاف حملتها العسكرية.
البعد الاقتصادي للصراع
الأضرار الاقتصادية المتصاعدة أضافت بعدًا جديدًا للخلاف بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يسعى نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني باعتباره تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، ترتبط الولايات المتحدة بحسابات أوسع تشمل التزاماتها الأمنية تجاه دول الخليج المنتجة للطاقة.
إغلاق إيران لمضيق هرمز تسبب في ارتفاع أسعار النفط، ما يزيد الضغط على الولايات المتحدة لإيجاد حل سريع لتجنب تأثيرات اقتصادية عالمية سلبية. وأكد ترامب أن البحرية الأمريكية قد ترافق ناقلات النفط عبر المضيق “إذا لزم الأمر”، ما قد يبقي واشنطن منخرطة في الصراع لفترة أطول.
الضغوط الداخلية على ترامب
في الداخل الأمريكي، تواجه إدارة ترامب ضغوطًا لإنهاء الحرب، وسط ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع التأييد الشعبي للحملة العسكرية. تشير استطلاعات الرأي إلى أن أقلية فقط من الأمريكيين تدعم استمرار العمليات، كما انتقد بعض الديمقراطيين وجناح من الجمهوريين انخراط واشنطن في صراع قد يتحول إلى حرب طويلة في الشرق الأوسط، بما يتعارض مع تعهدات ترامب السابقة بإنهاء “الحروب التي لا نهاية لها”.
أفادت وول ستريت جورنال أن بعض مستشاري ترامب حثوه في جلسات خاصة على البحث عن مخرج من الحرب، خشية من تداعيات اقتصادية وسياسية متصاعدة، فيما من المتوقع أن يتوجه المبعوث الأمريكي الخاص، ستيفن ويتكوف، إلى إسرائيل الأسبوع المقبل لإجراء مشاورات مع القيادة الإسرائيلية بشأن المرحلة المقبلة من العمليات العسكرية.
الخلاصة
التباين بين واشنطن وتل أبيب في الحرب على إيران يعكس صراع أجندات عميق بين هدفين متعارضين: إنهاء الحرب سريعًا مع السيطرة على النتائج من جهة، وتوسيع الضغوط العسكرية والسياسية على النظام الإيراني من جهة أخرى. هذه الفجوة تهدد التنسيق العسكري والتحالف الاستراتيجي بين الطرفين، وقد تزيد من مخاطر التصعيد الإقليمي وتوسيع نطاق الصراع في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه الأسواق العالمية إلى استقرار أسعار النفط والأمن البحري.
في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال المركزي: هل ستتمكن واشنطن من فرض استراتيجيتها للإنهاء، أم أن إسرائيل ستواصل توسيع الحملة العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية؟










