طهران – المنشر الاخباري| الأربعاء 11 مارس 2026، في التاسع من مارس/آذار الجاري، استيقظت العاصمة الإيرانية طهران على مشهد مروع؛ انفجار هائل اتخذ شكل “سحابة فطرية” ضخمة فوق مدينة القدس، الواقعة على الحافة الغربية للمدينة.
و تداول الناشطون والوكالات العالمية مقاطع فيديو صورت الانفجار من زوايا متعددة، حيث غطت أعمدة الدخان الكثيفة سماء المنطقة الحضرية التي يقطنها نحو تسعة ملايين نسمة.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن منشأة نفطية حيوية كانت الهدف الجديد ضمن الحملة “الأمريكية-الإسرائيلية” الممنهجة التي بدأت في السابع من مارس، مستهدفة بشكل مباشر البنية التحتية لتخزين وتكرير الوقود في العمق الإيراني.
بيئة مسمومة وسخام يغطي العاصمة
لم تكن غارة “مدينة القدس” سوى حلقة في سلسلة من الضربات الجراحية؛ ففي السابع من مارس، تعرضت منشآت تخزين النفط في طهران ومحافظة البرز لضربات مماثلة.
واشتعلت النيران في مستودعات الوقود الضخمة في طهران وكرج، وهي المشاهد التي بثتها “بي بي سي” ونقلتها “أسوشيتد برس” كدليل على حجم الكارثة.
تجاوزت الآثار الجانب العسكري إلى كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة؛ حيث أدى احتراق مئات الآلاف من براميل النفط الخام والمنتجات المكررة إلى انبعاث سخام أسود سام غطى أسطح المنازل والسيارات وملاعب الأطفال في طهران.
كما تسببت الأمطار الحمضية الناتجة عن هذه الأدخنة في حروق كيميائية في العيون والحلق للسكان، مما دفع منظمة الصحة العالمية لإصدار تحذير عاجل يخص الفئات الأكثر ضعفا، لاسيما الأطفال وكبار السن وذوي الأمراض التنفسية، من استنشاق هذا الهواء المشبع بالهيدروكربونات المحترقة.
استراتيجية تدمير “التكرير” لا “التصدير”
يمثل تفجير منشأة مدينة القدس ذروة الحملة التي تتبع استراتيجية لم يستوعب السوق العالمي أبعادها بعد؛ فالهدف لم يعد منع إيران من تصدير النفط الخام، بل تدمير قدرتها الداخلية على تكريره.
كانت طاقة التكرير الإيرانية قبل الحرب تقدر بنحو 2.2 مليون برميل يوميا، موزعة على تسع مصاف رئيسية، واليوم، كل وحدة معالجة تدمر أو مستودع يحرق يعني فقدان قدرة صناعية تستغرق إعادة بنائها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات.
فالمصفاة ليست مجرد بناء تقليدي، بل هي مجمع معقد من أبراج التقطير، ووحدات التكسير، ومحطات إنتاج الهيدروجين، ومحفزات الإصلاح المصممة بدقة متناهية.
إن خروج هذه المنشآت من الخدمة في طهران وألبرز يعني شطبها من قاعدة التكرير العالمية لسنوات طويلة، وهي خسارة لا يمكن تعويضها بضخ المزيد من النفط الخام في الأسواق.
شلل إقليمي في “الذهب الأسود”
لا تقتصر هذه الكارثة على الجغرافيا الإيرانية؛ إذ تتعرض البنية التحتية للتكرير في الخليج العربي بأكمله لتدهور متزامن، فقد أعلنت شركة “بابكو” البحرينية حالة القوة القاهرة إثر غارات بطائرات مسيرة، فيما أوقفت شركة “أدنوك الرويس” الإماراتية عملياتها لأسباب أمنية وتقنية، وتوقفت مصفاة “رأس لفان” القطرية عن العمل منذ تسعة أيام.
هذا التوقف الجماعي يعني أن طاقة التكرير العالمية—التي تحول الخام إلى بنزين، وديزل، ووقود طائرات يستهلكه العالم فعليا—تتسرب من النظام الدولي بوتيرة مرعبة.
ولن تتمكن أي زيادة في الاحتياطيات الاستراتيجية أو قرارات من “أوبك+” أو حتى وقف إطلاق نار مفاجئ من عكس هذا المسار على المدى القريب، لأن بناء المصافي وتدشينها يتطلب وقتا طويلا وتكنولوجيا معقدة.
أزمة المعالجة لا المادة الخام
في ظل هذا الانهيار، اقترحت وكالة الطاقة الدولية إطلاق ما بين 300 و400 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية، ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا القرار “يعالج المتغير الخاطئ”؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في “التكرير” وليس في “الخام”.
لا يمكن وضع النفط الخام في محركات السيارات أو الطائرات، بل يحتاج العالم إلى مصاف عاملة لتحويله إلى وقود.
إن إضافة المزيد من الخام إلى سوق يفتقر لمرافق المعالجة لن يؤدي إلا إلى تخمة في المادة الأولية وعجز خانق في المنتجات النهائية، مما سيبقي أسعار الوقود في مستويات قياسية.
تهديدات “ختم الأنبياء” وتوقعات الـ 200 دولار
بعد ساعات قليلة من انفجار مدينة القدس، خرج العقيد علي رزمجو، المتحدث باسم مقر “ختم الأنبياء”، ليعلن تحولا جذريا في العقيدة العسكرية الإيرانية. وأكد أن سياسة “الرد بالمثل” قد انتهت، وبدأت مكانها سياسة “الضربات المتواصلة”.
وحذر رزمجو بلهجة حاسمة من أنه لن يمر عبر مضيق هرمز “لتر واحد من النفط” يعود بالنفع على الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما.
وتوقع رزمجو أن يصل سعر برميل النفط إلى حاجز الـ 200 دولار قريبا، والمفارقة هنا تكمن في أن البنية التحتية الإيرانية التي كان يمكن أن توفر إمدادات بديلة لتهدئة الأسعار، هي نفسها التي تحترق الآن تحت وطأة الضربات الجوية، مما يجعل نبوءة الـ 200 دولار تقترب من الواقع يوما بعد يوم.
عجز لجيل كامل
قد تنتهي العمليات العسكرية خلال أسابيع أو شهور، لكن عجز التكرير الناتج عن هذه الحرب سيمتد لجيل كامل. إن السحابة الفطرية التي غطت “مدينة القدس” ليست مجرد مشهد عسكري مهيب، بل هي إعلان رسمي عن بداية نقص عالمي حاد في عمليات التكرير.
لم يصمم أي احتياطي استراتيجي في العالم، سواء في تكساس أو في الصين، لتعويض غياب مجمعات التكرير الكبرى التي تتهاوى الآن أمام الكاميرات في طهران والخليج. العالم اليوم لا يواجه أزمة نقص نفط، بل يواجه “نهاية عصر الوقود الرخيص” بسبب تدمير المصانع التي تصنعه.










