في لحظة فارقة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، وفي ظل حرب هي الأعنف منذ عقود، أطل المرشد الثالث، مجتبى خامنئي، على الشعب الإيراني والعالم، ليس عبر شاشات البث المباشر أو خطاب جماهيري، بل من خلال “رسالة مكتوبة” قرأها مذيع الأخبار في التلفزيون الرسمي يوم الخميس 12 مارس 2026.
هذا الغياب البصري والصوتي في أول إطلالة رسمية للقائد الجديد، يفتح الباب واسعا أمام قراءات سياسية وعسكرية معقدة، تتراوح بين فرضيات الإصابة البدنية واستراتيجيات “القيادة السرية” في زمن الحرب.
المرشد الثالث تحت أجهزة التنفس: مجتبى خامنئي في “حالة حرجة” بمستشفى سينا وسط تكتم أمني شديد
الدول الراسخة تطمئن مواطنيها في أوقات الأزمات بإبراز قيادتها حية واثقة، والنظام الإيراني الذي يتقن الرمزية، يعرف أن الحضور الجسدي للمرشد الأعلى في خطاباته الكبرى كان دائما أداة لتعزيز الهيبة. غيابه الآن يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول وضعه الصحي، وهي تساؤلات لا تزال دون إجابة شافية.
مفارقة “علمت معكم”
المقطع الأكثر إثارة في الخطاب هو ادعاء مجتبى خامنئي أنه لم يعلم بانتخابه مرشدا أعلى إلا عبر التلفزيون الرسمي، في الوقت ذاته الذي علم به الشعب الإيراني. هذا التصريح ينطوي على ثلاثة أبعاد متشابكة:
البعد الديني حيث يستحضر هذا الموقف مبدأ راسخا في الفقه السياسي الإسلامي، يقول إن من يسعى للولاية لا ينبغي أن يولى، وإن من تأتيه دون طلب يعينه الله عليها. فعل والده الراحل علي خامنئي الأمر ذاته قبل ما يزيد على ثلاثة عقود، حين أظهر التردد قبل القبول.
حرب إيران: إصابة مجتبى خامنئي في ضربة إسرائيلية
أما البعد السياسي فالنظام الإيراني متهم بأن الوراثة القيادية كانت معدة مسبقا، والادعاء بعدم العلم المسبق يهدف لتفنيد هذه الاتهامات. لكن التناقض مع التقارير السابقة التي أشارت إلى إعداده مدة طويلة، جعل هذا الادعاء يقابل بسخرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
كما القبضة المقبوضة” والرمزية العاطفية
استخدم مجتبى رواية رؤيته لجثمان والده بـ “قبضة مقبوضة” لصناعة أسطورة سياسية. هذه الرمزية تهدف إلى نقل التفويض فالقبضة المقبوضة تعني أن المرشد الراحل لم يمت مهزوما، بل مات قابضا على سلاحه/موقفه، وهي رسالة لمناصري النظام بأن “العهد مستمر” وأن مجتبى هو الوارث الشرعي لهذا الإصرار.
ترامب يهاجم المرشد الإيراني الجديد: مجتبى خامنئي لن يعيش في سلام
وربط الثأر لوالده بالثأر لضحايا “مدرسة ميناب” يهدف إلى دمج المأساة العائلية بالمأساة الوطنية، لخلق حالة من الاصطفاف الشعبي خلفه في ظل الانقسامات الداخلية العميقة.
وفيما يتعلق بالبعد الاتصالي سواء صدق الادعاء أم لا، فإن تكرار الإيحاء بأنه “مكره” لا يعزز الصورة القيادية الحازمة التي تحتاجها إيران في خضم حرب.
مضيق هرمز: ورقة الضغط أم رسالة تفاوضية؟
التشديد على “الاستمرار في استخدام آلية إغلاق مضيق هرمز” يحمل دلالة مزدوجة. فمن ناحية، هو رسالة ردع واضحة للخصوم وتأكيد لامتلاك إيران لأوراق ضغط اقتصادية مؤلمة.
المرشد الثالث على نهج معاوية.. مجتبى خامنئي قائدا لإيران بـ “تزكية” الحرس الثوري
ومن ناحية أخرى، هو توطئة للتفاوض؛ إذ إن من يعلن أن بيده مفتاح المضيق يضع نفسه في موقع البائع الذي يعرض البضاعة ويتوقع المشتري.
الاستجابة الفورية من قائد القوات البحرية للحرس الثوري بالتهديد بـ”أقسى الضربات” تشير إلى أن الخطاب أريد به تعزيز الموقف التفاوضي لا الذهاب إلى المواجهة الكاملة. ومع ذلك، فإن تصريحات الفصائل المتحالفة مع إيران حول استهداف محطات نووية إماراتية تشكل خطرا حقيقيا من الانزلاق خارج نطاق السيطرة.
محاور الخطاب وجمهوره المتعدد
ففي ظل الحرب، يبحث النظام عن “قضية جامعة” تلم شتات الموالين وتخفف ضغط المعارضة الداخلية التي وصفت الرسالة بـ “المهزلة” على منصة X. استخدام القدس كواجهة هو أداة “ابتزاز عاطفي” للعالم الإسلامي، لإظهار إيران كحامي الحمى الوحيد، وبالتالي تحصين نظام مجتبى من النقد الأخلاقي.
فالخطاب لم يوجه لجمهور واحد، بل لجمهورات متعددة في آن معا، للشعب الإيراني دعوة للوحدة والتماسك، وتذكير بيوم القدس كفعل تعبوي، وإشارة إلى تعويض المتضررين من الحرب. هذا خطاب داخلي يستهدف احتواء التذمر الشعبي من الحرب ومن التوريث القيادي.
إيران: مجتبى خامنئي يعلن “الحرب المفتوحة” في أول رسالة للمرشد الثالث
للقوات المسلحة مطالبة بـ”الدفاع الفعال”، مع الإشارة إلى دراسات لفتح جبهات جديدة، وهو تفويض ضمني للحرس الثوري بالتصعيد إذا استمرت الحرب.
ولدول الجوار رسالة مزدوجة التناقض؛ إيران تريد “الصداقة” مع جيرانها، لكنها ستستمر في استهداف القواعد الأمريكية على أراضيهم. هذا يضع دول الخليج في موقف بالغ الصعوبة: إما الضغط على واشنطن لإغلاق قواعدها، وإما تحمل تبعات الاستهداف المتواصل.
ولمحور المقاومة تأكيد على الاستمرارية الأيديولوجية، وشكر للحوثيين وحزب الله والمقاومة العراقية، وتثبيت لمعادلة الربط بين قضية فلسطين والمصالح الإيرانية.
مسألة التعويض والمصادرة
العبارة الأشد وطأة في الخطاب هي: “سنطالب بالتعويض من العدو، وإذا رفض أخذنا ما نراه مناسبا، وإذا تعذر ذلك دمرنا نفس القدر من ممتلكاته.” هذا إعلان منهجي لسياسة ما يمكن تسميته “الانتقام الممتلكاتي”، وهي خطرة لأنها تمنح فصائل الحرس الثوري وحلفائها تفويضا مفتوحا لاستهداف أصول اقتصادية تحت غطاء شرعي.
أما مسألة مصادرة ممتلكات معارضي الجمهورية الإسلامية ووصفها بـ”الواجب الملزم”، فهي رسالة إلى الداخل بأن هامش المعارضة سيضيق، وأن منطق حالة الحرب سيوظف لحساب القبضة الأمنية.

التقييم الإجمالي
الخطاب يكشف عن نظام في مرحلة انتقال هشة، يحاول أن يجمع بين عدة أهداف متعارضة عبر إبراز الاستمرارية مع التميز عن المرحلة السابقة، والتصعيد الخطابي مع الإبقاء على نوافذ التفاوض، وتوحيد الداخل مع مخاطبة الخارج، وتأكيد الشرعية الدينية في لحظة يشكك فيها كثيرون بمشروعية التوريث.
القائد الجديد يمشي على حبل متوتر حرب مستمرة، صحة مجهولة، شعب متعب، وجوار قلق. الخطاب المكتوب الذي قرأه مذيع بدلا من أن يتحدث به صاحبه بنفسه، لا يبدد هذا القلق — بل يضيف إليه.










