طهران – المنشر الاخباري | يطل غدا الاربعاء 18 مارس 2026 “الأربعاء الأحمر” أو (جهارشنبه سوري) هذا العام على الإيرانيين بملامح مغايرة تماما؛ فبينما كانت النيران وصيحات الفرح التقليدية تملأ الأزقة ترحيبا بالنوروز، تحولت الساحات إلى حلبة صراع سياسي وعسكري مفتوح.
يأتي “الأربعاء الأحمر” العيد القومي في وقت لا تزال فيه دماء آلاف المتظاهرين الذين سقطوا قبل شهرين ونصف لم تجف بعد، ومع دخول البلاد في أتون حرب تشهد استهدافا مكثفا لنقاط التفتيش والقواعد العسكرية بطائرات مسيرة إسرائيلية وأمريكية.
تضارب الدعوات: استقطاب حاد وسط الدخان
شهدت الساعات الماضية استقطابا حادا في دعوات النزول إلى الشوارع، مما وضع المواطن الإيراني بين مطرقة القمع الحكومي وسندان الاستهداف الجوي:
معسكر النظام: دعا أحمد رضا رادان، قائد “فيلق الفرج”، أنصار الحكومة إلى عدم إخلاء الشوارع، في محاولة لاستعراض القوة وإثبات القدرة على الحشد. الغريب أن النظام الذي عادى الطقوس الوطنية لـ47 عاما، بات يشجع مؤيديه على الاحتفال بـ”طريقتهم الخاصة”، عبر حرق صور القادة الغربيين والإسرائيليين.
معسكر المعارضة: دعا الأمير رضا بهلوي الشعب لإحياء المناسبة عبر “مجلس وطني”، واصفا النظام بأنه “غير إيراني”. ووجه بهلوي نداء لواشنطن وتل أبيب لمراقبة التطورات ومنع النظام من استخدام العنف ضد المحتفلين، مؤكدا أن نار “نور إيران” ستنتصر على “ظلام النظام”.
أصوات من الداخل: “نخاف الخروج لشراء الخبز”
تحت وطأة انقطاع الإنترنت الذي دام 17 يوما، بالكاد تصل أصوات المواطنين المنهكين. “سيما”، شابة من شارع بيروزي بطهران، تصف الوضع قائلة: “الانفجارات لا تتوقف منذ صباح الاثنين، نخشى الخروج حتى لشراء الخبز. الطرفان يدعوان للنزول، لكننا نحن من نواجه القنابل والمسيرات التي لا تميز بين مدني وباسيج”.
وفي ضواحي طهران، يروي شاب فقد صديقه في احتجاجات يناير الماضي، كيف منعتهم “أم ثكلى” من الخروج تلبية لدعوات التظاهر، خوفا من “مجرمي النظام” من جهة، ومن “صواريخ الحرب” التي قد تخطئ أهدافها العسكرية من جهة أخرى.
المسؤولية القانونية في زمن الحرب
تطرح هذه الدعوات تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول أمن المدنيين. وفي هذا الصدد، يؤكد حسين رئيسي، المحامي والأستاذ بجامعة كارلتون بكندا، أن “دعوة الناس لمغادرة منازلهم في حالات الطوارئ والحرب دون حساب دقيق للمخاطر تخلق مسؤولية قانونية واجتماعية”.
ويوضح رئيسي أن حماية الأرواح في عالم القانون لها الأولوية القصوى فوق أي طقوس أو احتفالات، محذرا من ربط المناسبات التاريخية بأهداف سياسية قد تحول المدنيين إلى “دروع بشرية” أو أهداف عشوائية.
ويضيف: “إذا أراد الأمير بهلوي احتفالا آمنا، عليه الحصول على ضمانات بوقف الهجمات الجوية لبضع ساعات، لضمان عدم تكرار مآسي مثل مدرسة (شجر طيبة) في ميناب التي راح ضحيتها 110 أطفال”.
حياة البشر ليست ساحة للمقامرة
يرى المراقبون أن النظام الإيراني، وبخاصة بعد تجربة يناير، يسعى لمنع أي حراك اجتماعي جماهيري عبر “إرهاب الدولة” المتمثل في تهديدات رئيس السلطة القضائية والمدعين العامين بمحاكمة المحتفلين بتهمة “الخيانة”.
كما أن تهديدات سردار رادان بـ”إطلاق النار” رفعت تكلفة إقامة الاحتفالات إلى مستويات غير مسبوقة.
في المقابل، تبرز الحقيقة المرة: أن حياة المدني الواحد لا ينبغي أن تكون أداة سياسية. ففي ظل تعليق القوانين المدنية لصالح قوانين الحرب، يصبح خروج المواطن إلى الشارع مقامرة قد لا تحمد عقباها، مما يجعل من “الأربعاء الأحمر” هذا العام اختبارا قاسيا لمدى صمود الهوية الإيرانية في وجه آلة الحرب والقمق الإيديولوجي.











