مع دخول الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، مرحلة كسر العظم، تتشكل اليوم معطيات ميدانية واستخباراتية بالغة الخطورة تُرجح أن شرارة التصعيد باتت على وشك القفز رسمياً من ضفتي البحر الأحمر ، حيث تهدد تحرات الحوثيين استقرار القرن الأفريقي خاصة الوقاعد الأمريكية والمصالح الإسرائيلية والإماراتية في جيبوتي وأرض الصومال.
وكشفت مصادر يمنية مطلعة لـ “المنشر الإخباري” أن جماعة الحوثيين، وبتنسيق مباشر مع طهران، وضعت قائمة أهداف استراتيجية تشمل المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإماراتية في جيبوتي وأرض الصومال، مع مخاوف جدية من امتداد شظايا هذا التصعيد لتطال العمق الإثيوبي.
جيبوتي: “كامب لومونييه” تحت مجهر الصواريخ الحوثية
تعد جيبوتي اليوم النقطة الأكثر سخونة في الحسابات الحوثية، فهي تحتضن قاعدة “كامب لومونييه”، القاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا، والركيزة المحورية للعمليات في خليج عدن.
ومع انخراط الحوثيين في هجمات مباشرة ضد السفن المرتبطة بإسرائيل وواشنطن، لم يعد استبعاد قصف القواعد الأمريكية في المنطقة مجرد تخمين سياسي، بل سيناريو عسكري قائم.
ما يعقد المشهد في جيبوتي هو كونها ساحة تقاطع دولية؛ إذ تستضيف قواعد فرنسية وإيطالية ويابانية وصينية، وفي حال قررت واشنطن استخدام جيبوتي كمنصة انطلاق لضربات “جراحية” ضد البنية التحتية الحوثية في اليمن، فإن الجماعة ستجد المسوغ لما تسميه “شرعية الرد”، مما يحول الدولة الصغيرة الهشة أمنياً واقتصادياً إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ويرى خبراء أمنيون أن قدرة الحوثيين على ضرب “إيلات” بصواريخ باليستية تجعل “كامب لومونييه” هدفاً سهلاً في المدى الجغرافي للمسيرات الحوثية.
أرض الصومال: هرجيسا وبربرة في “عين العاصفة”
تكتسب أرض الصومال ثقلاً استراتيجياً يجعلها هدفاً ذا أولوية في الأجندة الإيرانية-الحوثية لثلاثة أسباب رئيسية في مقدمتها التوجهات المعلنة لأرض الصومال نحو بناء علاقات مع إسرائيل تضعها في خانة “العدو” وفق الأيديولوجيا الحوثية، مما يجعلها هدفاً للانتقام تحت لافتة “مواجهة التطبيع”.
وكذلك الاستثمارات الإماراتية حيث يمثل ميناء بربرة الاستراتيجي، الذي تديره شركة “موانئ دبي العالمية”، شرياناً حيوياً يربط الخليج بأفريقيا. وبما أن أبوظبي تُصنف كخصم إقليمي للحوثيين، فإن ضرب مصالحها في بربرة يمثل وسيلة ضغط اقتصادية هائلة لإرباك خطوط التجارة الإماراتية.
أيضا وقوع أرض الصومال مباشرة في مواجهة الساحل اليمني يجعلها في المتناول المباشر للعمليات الاستخباراتية الميدانية والمسيرات الانتحارية التي قد تنطلق من محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة.
إثيوبيا والقرن الأفريقي: بؤر توتر دائمة
لا تتوقف التهديدات عند السواحل؛ فالاقتصاد الإثيوبي المرتبط عضوياً بموانئ جيبوتي وبربرة يجد نفسه مهدداً بالشلل التام في حال اشتعال النزاع.
وتخشى أديس أبابا من أن يؤدي أي اشتباك صاروخي في جيبوتي إلى قطع إمدادات الوقود والسلع الأساسية (كما يحدث حالياً في أزمة الوقود الخانقة)، مما قد يجر المنطقة بأكملها إلى فوضى أمنية. جيبوتي، التي تفتقر لمنظومات دفاع جوي متطورة، ستكون مكشوفة تماماً أمام التكنولوجيا العسكرية الإيرانية التي يمتلكها الحوثيون، مما يجعل الرد الأمريكي الحتمي بداية لحرب استنزاف طويلة الأمد على الأراضي الأفريقية.
الاستراتيجية الإيرانية: “توزيع الجبهات”
تُدير طهران هذه الخيوط بعناية ضمن استراتيجية “توزيع الجبهات” لإرهاق الخصم الأمريكي والإسرائيلي. فبينما تشتعل الجبهات في غزة ولبنان واليمن، تسعى إيران لفتح “جبهة أفريقية” تُشتت الانتباه وتُعقد الاستجابة العسكرية الدولية، وتحول القرن الأفريقي من منطقة مراقبة إلى جبهة اشتباك مباشر.
إن استقرار القرن الأفريقي بات اليوم على المحك؛ والسؤال الذي يفرض نفسه في أروقة القرار بواشنطن وتل أبيب وأبوظبي ليس عن إمكانية وصول الحرب إلى أفريقيا، بل عن حجم الثمن الباهظ الذي ستدفعه القارة السمراء في صراع إقليمي عابر للقارات، وما إذا كانت جيبوتي وأرض الصومال ستحتفظان بقدرتهما على البقاء كـ “ملاذات آمنة” وسط أمواج التصعيد الحوثي المتلاطمة.










