في مشهد يعكس ذروة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، خرق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سكون ليل واشنطن بنشر مقطع فيديو عبر حسابه في منصة “إكس”، يوثق انفجارات عنيفة وهجمات جارية على منشآت عسكرية حيوية في مدينة أصفهان الإيرانية.
الفيديو الذي نشر دون تعليق توضيحي، اعتبره مراقبون “توقيعا سياسيا” على العمليات الجوية التي تضرب العمق الإيراني، وتأكيدا ميدانيا على التحذيرات التي أطلقها ترامب في مقابلته الأخيرة مع صحيفة “نيويورك بوست”، حيث دعا “بقايا النظام الإيراني” إلى التفاوض الفوري قبل “فوات الأوان”.
تصعيد متبادل وحرب استنزاف برية وجوية
رد الفعل الإيراني لم يتأخر ميدانيا، حيث أفادت التقارير بصعقة أصابت قطاع الطاقة الإسرائيلي إثر هجوم استهدف أكبر مصفاة نفط في البلاد، بالإضافة إلى اندلاع حرائق هائلة في مصفاة حيفا نتيجة ضربات صاروخية.
ولم يتوقف الطموح التخريبي للنظام عند هذا الحد، بل امتد ليشمل البنية التحتية في دول الجوار، مستهدفا محطات المياه والكهرباء في دولة الكويت.
وردا على هذه التحركات، اكتفى ترامب بعبارة غامضة ومثيرة للقلق: “سترون ذلك قريبا”، في إشارة إلى رد عسكري أمريكي وشيك قد يغير قواعد الاشتباك بالكامل.
تقييمات الاستخبارات: انهيار منظومة القيادة والسيطرة
بالتوازي مع الدخان المتصاعد من أصفهان وحيفا، كشف تقرير موسع لصحيفة “نيويورك تايمز” نشر في الأول من أبريل 2026، عن وضع مأساوي داخل أروقة الحكم في طهران.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية والغربية أن الحرب التي انطلقت شرارتها الكبرى في أواخر مارس 2018، أدت إلى تآكل كامل في قدرة القادة الإيرانيين على التنسيق واتخاذ قرارات استراتيجية بشأن مقترحات السلام الأمريكية.
ووفقا للتقرير، فإن مقتل العشرات من كبار المسؤولين والنواب، وعلى رأسهم المرشد السابق علي خامنئي وعدد من قادة الأمن القومي في ضربة استهدفت مجمع المرشد في بداية الحرب، خلق فراغا سياسيا لم تشهده البلاد منذ عقود.
الناجون من القيادات يواجهون اليوم صعوبة بالغة في التواصل، حيث يسيطر “الارتباك والريبة” على ما تبقى من أعضاء الحكومة خوفا من اختراق اتصالاتهم ورسائلهم من قبل المخابرات الإسرائيلية، مما جعلهم يترددون في إجراء أي اتصال هاتفي أو لقاء شخصي.
تفكك الدولة وصعود العسكر
أدت هذه العزلة الرقمية والجسدية إلى قطع خطوط الاتصال بين صانعي السياسات المدنية والعسكرية.
ويشير المسؤولون الأمريكيون إلى أن “المتطرفين في الحرس الثوري” باتوا يمتلكون الآن سلطة تفوق القيادة الدينية العليا، وسط أنباء عن أن الزعيم الجديد للجمهورية الإسلامية –الذي قد يكون مجتبى خامنئي– لا يعدو كونه “شخصية رمزية”، بينما تدار البلاد فعليا من قبل قادة الحرس الناجين بشكل غير مركزي.
هذا التفكك في بنية الدولة انعكس مباشرة على الكفاءة العسكرية؛ فرغم وجود نظام تحكم لا مركزي يسمح للقادة المحليين باتخاذ قرارات هجومية، إلا أن الاستهداف الأمريكي المباشر لهؤلاء القادة الميدانيين جعل الهجمات الانتقامية الإيرانية “غير منسقة وغير فعالة” كما كان متوقعا.
وبدلا من إطلاق رشقات صاروخية كبرى تفاجئ الدفاعات الجوية، اضطرت القيادات الإقليمية لتنظيم عمليات منفردة تفتقر للزخم الاستراتيجي.
معضلة التفاوض: من يوقع الاتفاق؟
تضع هذه الفوضى إدارة ترامب أمام مفارقة دبلوماسية؛ فبينما يضغط البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق سريع، تكتشف الاستخبارات أنه كلما تآكلت سلطة القرار في طهران، زادت صعوبة التفاوض. المفاوضون الإيرانيون الحاليون يفتقرون للوعي بحجم التنازلات المطلوبة، بل ولا يعرفون “من يسألون بالضبط” داخل حكومتهم الممزقة.
وشبه مسؤولون إسرائيليون هذا الوضع بما حدث في مفاوضات الرهائن في غزة، حيث يستغرق نقل المقترحات عبر مذكرات مكتوبة وقتا طويلا يؤدي في النهاية إلى ارتباك وضياع الفرص.
وهكذا، تظل إيران اليوم بين مطرقة الضربات الجوية التي يقودها ترامب، وسندان الانهيار الداخلي الذي جعل من “الدولة” مجرد جزر معزولة تبحث عن وسيلة للبقاء وسط عاصفة لا ترحم.










