في مشهد لافت يجمع بين الخطاب التعبوي والحسابات السياسية الدقيقة، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء اليوم ليقدم ما وصفه بـ”المرحلة الفاصلة” في مسيرة الصراع مع المحور الإيراني.
واستعرض جملة من التصريحات التي تتقاطع في مجملها عند ثلاثة محاور رئيسية إعلان الانتصار الاستراتيجي على إيران وأذرعها، وترسيخ الحضور الميداني الإسرائيلي عبر إنشاء مناطق عازلة ممتدة، وتصوير إسرائيل قوة إقليمية صاعدة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. غير أن قراءة متأنية في هذه التصريحات تكشف عن طبقات متعددة من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز في عمقها الحدث الآني.
خطاب الانتصار على إيران.. بين الحقيقة والتوظيف
تصدر المشهد إعلان نتنياهو أن إسرائيل والولايات المتحدة عملتا على “سحق النظام الإيراني بشكل مستمر” خلال الشهر الماضي، مستشهدا بما وصفه بـ”عشر ضربات قاصمة” طالت البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين، إلى جانب تفكيك منظومة الأذرع الإقليمية من حزب الله إلى الحوثيين مرورا بالفصائل العراقية وما تبقى من بنية حركة حماس.
ولا يمكن فصل الخطاب عن سياقه الداخلي الإسرائيلي، إذ يواجه نتنياهو ضغوطا متصاعدة من أسر الرهائن ومن المعارضة السياسية وقطاعات واسعة من الرأي العام المثقل بأعباء حرب طويلة، فجاء توصيفه لإيران بأنها “باتت أضعف من أي وقت مضى” في مقابل “إسرائيل الأقوى”، تأطيرا يستهدف تحويل الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة للحرب إلى إنجاز تاريخي يستحق الثمن الباهظ الذي دفعه.
بيد أن الواقع يستدعي قراءة أكثر تدقيقا، فبينما أقر نتنياهو ذاته باستمرار امتلاك إيران قدرات صاروخية، فإن وصفه لهذه القدرات بأنها “ليست وجودية” يمثل تحولا لافتا في لغة التهديد الإسرائيلية التقليدية التي طالما وظفت الخطر الوجودي الإيراني ذريعة لتبرير العمليات العسكرية واستنهاض التأييد الدولي.
هذا التحول اللغوي لا يعني بالضرورة أن التهديد قد زال، بل قد يعكس ضرورة خطابية تتعلق بإدارة مرحلة ما بعد الذروة القتالية.
المناطق العازلة.. استراتيجية أم احتلال بمسمى جديد؟
ومن أبرز ما كشف عنه نتنياهو خلالالمؤتمر الصحفي، الإعلان الصريح عن إنشاء مناطق عازلة في غزة وسوريا ولبنان، وهو ما يستدعي وقفة تحليلية مطولة، إذ يمثل هذا التوجه تحولا بنيويا في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية التي وصفها نتنياهو بالانتقال من “الدفاع إلى الهجوم”.
وفي غزة تبدو المنطقة العازلة امتدادا لمفهوم “الممر النتساريم” وغيره من المناطق التي فرضت إسرائيل سيطرتها الفعلية عليها، بما يجعل الحديث عن “اليوم التالي” في غزة حبرا على ورق في ظل تقليص مساحة القطاع الفعلية القابلة للحياة.
وتلقي هذه المناطق بظلالها الثقيلة على أي مسار محتمل لصفقة الرهائن أو وقف إطلاق النار، إذ ترسخ حضورا إسرائيليا دائما بمعزل عن التسويات السياسية.
وفي لبنان يتقاطع هذا التوجه مع انتهاكات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة وفرنسا، حيث تواصل إسرائيل الحفاظ على تمركزها في عدد من المواقع الجنوبية بذريعة منع إعادة تسليح حزب الله. وبينما تطالب الحكومة اللبنانية ومعها باريس وواشنطن بالانسحاب الكامل، يكرس إعلان نتنياهو حالة الأمر الواقع ويجعل من هذه المناطق ورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية حول ترتيبات الأمن الحدودي.
أما في سوريا يأتي الإعلان في ظل مشهد سوري بالغ التعقيد في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث تواصل إسرائيل التمركز في مناطق تتجاوز حدود عام 1974، مستغلة حالة الانكشاف الأمني السوري.
ويشكل هذا التمركز سابقة خطيرة على صعيد القانون الدولي، كما يعقد مسار الحكومة السورية الجديدة في ترسيخ سيادتها على كامل أراضيها، فضلا عن أنه يقدم أوراق ضغط لإسرائيل في مواجهة أي ترتيبات إقليمية قادمة.
التحالفات الجديدة وإعادة رسم خريطة المنطقة
أشار نتنياهو إلى إبرام تحالفات جديدة في المنطقة دون الإفصاح عن تفاصيلها، وهو ما يستدعي استقراء المشهد الإقليمي الراهن، فمن المرجح أن يلمح إلى التطبيع الخليجي المحتمل، لا سيما مع المملكة العربية السعودية التي تبدو محادثات التطبيع معها في مرحلة متقدمة وفق مصادر متعددة، وإن كانت الرياض تربط أي تطبيع بضمانات جدية للمسار الفلسطيني.
كما قد تشمل هذه الإشارة تنسيقا أمنيا متعمقا مع دول الخليج في مواجهة إيران، في إطار ما يمكن وصفه بـ”تحالف المصالح” غير المعلن الذي يتشكل على خلفية التهديد الإيراني المشترك.
ويصرح نتنياهو بوضوح عن طموح تحويل إسرائيل إلى “قوة عظمى إقليمية وعالمية”، وهو خطاب يتجاوز الدفاع عن النفس ليرسم صورة إسرائيل بوصفها فاعلا محوريا في إعادة هيكلة المنطقة، مما يشكل تأسيسا لمطالبات نفوذ مستقبلية في أي ترتيبات إقليمية جديدة.
الأبعاد الأمريكية.. ترامب ونتنياهو في مشهد واحد
لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في قراءة تصريحات نتنياهو، فتأكيده المتكرر على ثنائية “إسرائيل-الولايات المتحدة” في مواجهة إيران يمثل توظيفا مقصودا لصرف الأنظار عن أي احتكاك محتمل مع إدارة ترامب، وفي الوقت ذاته تصوير نتنياهو شريكا فاعلا يجسد رؤية “أمريكا أولا” في المنطقة عبر استخدام القوة الإسرائيلية بديلا عن الانخراط الأمريكي المباشر.
وتكتسب هذه النقطة أهمية بالغة في ضوء التقارير المتواترة عن ضغوط أمريكية متصاعدة لإنهاء الحرب أو تهدئتها، إذ تشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية باتت تنظر بعين القلق إلى التداعيات الاقتصادية لاستمرار الحرب وتأثيراتها على أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وهنا تكمن دلالة عميقة في تصريحات نتنياهو، فبتأطير الإنجازات بهذا الشكل، يهيئ مخرجا مشرفا لإنهاء الحرب حين تحين اللحظة المناسبة، مقدما وقف العمليات لا على أنه استجابة للضغوط، بل تتويجا لانتصار تاريخي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
السيناريو الأول – التهدئة المدارة: في ظل ضغوط أمريكية وضغوط الداخل الإسرائيلي، تتوجه الأمور نحو تهدئة تدريجية تحتفظ فيها إسرائيل بالمناطق العازلة كأمر واقع، مع تجميد النشاط العسكري المكثف.
ويعزز هذا السيناريو خطاب “الانتصار” الذي أرسى نتنياهو أسسه اليوم، إذ يتيح الخروج من الحرب مع الحفاظ على ماء الوجه.
السيناريو الثاني – التصعيد المحدود: تواصل إسرائيل استهداف البنية التحتية الإيرانية الأساسية، لا سيما ما تبقى من قدرات نووية، في مغامرة تحاول عبرها تحقيق “الضربة القاصمة” قبل أي تسوية مفروضة.
ويظل هذا السيناريو رهينا بالضوء الأمريكي الأخضر الذي يبدو غير مضمون.
السيناريو الثالث – إعادة الانتشار: يجري نتنياهو تسوية دبلوماسية مدارة تثبت الوضع الراهن وترسخ المناطق العازلة، في مقابل فتح مسار لصفقة رهائن شاملة، مع إبقاء الملف الإيراني مفتوحا كورقة ضغط دائمة.
ويمثل هذا السيناريو توازنا دقيقا بين إرضاء واشنطن والاحتفاظ بأوراق القوة الإقليمية.
ويكشف المؤتمر الصحفي لنتنياهو عن براعة في إدارة الخطاب السياسي في لحظة بالغة الحساسية؛ فهو يخاطب في آن واحد الجمهور الإسرائيلي الباحث عن جدوى الثمن الباهظ، والشريك الأمريكي الراغب في مخرج مشرف، والمجتمع الدولي القلق من تداعيات الحرب الممتدة، والمحيط الإقليمي الذي يعاد تشكيل موازينه.
غير أن الفجوة بين بلاغة خطاب الانتصار ومتطلبات السلام الحقيقي وتداعيات الأزمة الإنسانية المتفاقمة تظل فجوة واسعة، لن تردمها التصريحات وحدها.










