يقدم الحوثيون أنفسهم حلفاء مخلصين لطهران، لكن دراسة نمط عملياتهم الأخيرة تكشف صورة أكثر تعقيدا، جماعة تزن مصالحها باستمرار، وتجرجر الدعم لإيران بحسابات أبعد من الولاء المطلق.
منذ السابع من أكتوبر 2023، حرص الحوثيون على تقديم أنفسهم ركيزة راسخة في محور المقاومة، وطرفا فاعلا في مواجهة إسرائيل دعما لغزة، وقد أطلقوا عشرات الصواريخ والمسيرات، وهددوا الملاحة في البحر الأحمر، واستدرجوا ضربات أمريكية وبريطانية على أراضيهم دون أن يتراجعوا علنا.
ايران وتسليح جماعة الحوثيين… مصادرة أكبر الشحنات العسكرية لجنوب اليمن
لكن المراقب الدقيق لعملياتهم الأخيرة يلحظ فجوة لافتة بين الخطاب الصاخب والأداء الميداني المتحفظ، فجوة تطرح سؤالا استراتيجيا جوهريا، هل يقدم الحوثيون دعما حقيقيا لإيران في لحظة هشاشتها الراهنة، أم أنهم يتقنون فن الانتهازية المحسوبة؟
العمليات الثلاث الأخيرة: قراءة في الأرقام والأسلحة
أعلن الحوثيون حتى صباح الثاني من أبريل 2026 تنفيذ ثلاث عمليات عسكرية ضد إسرائيل، ولو اكتفينا بقراءة البيانات الرسمية لخرجنا بصورة مفادها أن الجماعة في حالة حرب شاملة.
لكن الحفر تحت السطح يكشف واقعا مغايرا الاستهداف اقتصر على جنوب إسرائيل ومنطقة إيلات، والأسلحة المستخدمة لم تكن من الطراز المتقدم الذي تمتلكه الجماعة، وجرى اعتراضها بيسر ملحوظ.
حرب إيران 2026.. اليمن يحذر من تحرك الحوثي لضرب ملاحة البحر الأحمر
الحوثيون يمتلكون مسيرات متطورة وصواريخ تصنف فرط صوتية، أثبتت في مراحل سابقة قدرتها على الوصول إلى وسط إسرائيل، لكنها لم تستخدم في العمليات الأخيرة. هذا الغياب المتعمد يقول أكثر مما يقوله أي بيان رسمي.
هذه الهوة بين القدرة والاستخدام هي بيت القصيد. فالجماعة ليست عاجزة، وليست في وضع شح تسليحي يمنعها من إطلاق ما تريد، قرار تحجيم الأسلحة المستخدمة هو قرار سياسي بامتياز، يعكس حسابات دقيقة تتعلق بما تريد الجماعة تحقيقه فعليا في هذه المرحلة.
محورا التفسير: بين الولاء والبراغماتية
الحوثيون يدركون أن إيران في وضع هش، وأن الانخراط الكامل في المعركة قد يستدرج ردا إسرائيليا مدمرا على بنيتهم التحتية، فيختارون الحضور الرمزييظهرون كحليف فاعل في الخطاب، دون أن يكشفوا ترسانتهم الحقيقية أو يتعرضوا لتبعات مكلفة.
كاتس يهدد الحوثي: سنرفع علم إسرائيل في صنعاء
تفسير التصعيد التدريجي
جماعة الحوثيون تعد لمعركة طويلة تستوجب الحفاظ على الذخائر المتقدمة، وتبدأ بعمليات منخفضة التكلفة لاختبار ردود الفعل وتثبيت حضورها في الساحة، قبل أن تنتقل إلى مستويات أعلى حين تتوفر الظروف الملائمة.
كلا التفسيرين يتقاطعان في نقطة واحدة، الحوثيون لا يتصرفون كوكيل ينفذ أوامر المركز الإيراني بشكل آلي، هم يحكمون حساباتهم الخاصة، وهذه الحسابات تقودهم في اللحظة الراهنة إلى خيار الضجيج الإعلامي مع التحفظ العسكري.
خاص| حرب إيران: الحوثيون يفتحون جبهة القرن الأفريقي ضد أمريكا وإسرائيل والإمارات
إيران في لحظة الهشاشة: ماذا تريد من وكلائها؟
لفهم سلوك الحوثيين، لا بد من استيعاب الوضع الإيراني الراهن. تواجه طهران ضغوطا متعددة المصادر، ملف نووي بالغ التعقيد، وعقوبات اقتصادية مثقلة، وضربات أضعفت قدرات محور مقاومتها في لبنان وسوريا، فضلا عن سقوط نظام الأسد الذي أفقدها ممرا استراتيجيا حيويا.
وفي هذا السياق، يبدو الحوثيون الورقة الأكثر حضورا في يد طهران، لكن هذه الورقة تعرف قيمتها، ولا تنوي أن تحرق نفسها مجانا.
ثمة فارق جوهري في طبيعة العلاقة بين إيران ووكلائها المختلفين، فحزب الله كان ولفترة طويلة الذراع الأكثر التزاما والأعلى تكلفة في آن واحد.
أما الحوثيون، فعلاقتهم بطهران أكثر براغماتية منذ البداية، هم يشتركون في العداء لإسرائيل والغرب، لكنهم يحملون أجندة يمنية محلية راسخة، ويعلمون أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة لهم هم أنفسهم قبل أي طرف آخر، فالانخراط الانتقائي ليس خيانة للمحور، هو استراتجية البقاء.
الحوثيون يهددون باستئناف الهجمات على إسرائيل حال انهيار وقف إطلاق النار في غزة
مسار العمليات منذ أكتوبر 2023: قراءة في التسلسل
أكتوبر — ديسمبر 2023
المرحلة التأسيسية: عمليات رمزية وصفها المحللون بـ”الذبابة المزعجة”، استهداف ناقلات في البحر الأحمر، وبناء صورة جماعة فاعلة في المشهد الإقليمي دون استنزاف حقيقي للترسانة.
2024: مرحلة التصعيد الانتقائي
استخدام مسيرات أكثر تطورا وصواريخ باليستية، ووصول بعض الضربات إلى وسط إسرائيل. تصاعد ملفت يثبت القدرة، مع استمرار الحرص على تجنب الضربات ذات الأثر المدمر الشامل.
2025 — أبريل 2026: التحفظ المقصود
العودة إلى العمليات المنخفضة المستوى في جنوب إسرائيل وإيلات، مع الحفاظ على الخطاب الحاد. الفجوة بين الإمكانات والاستخدام في أوسع مستوياتها.
هذا التسلسل يكشف نمطا لافتا: الحوثيون لا يسيرون في خط تصاعدي ثابت نحو المواجهة الكاملة. هم يتقدمون ويتراجعون ويعيدون المعايرة باستمرار، وهو ما يرجح أنهم يتعاملون مع الصراع كأداة سياسية وليس كالتزام وجودي.
لماذا هذا التحفظ تحديدا الآن؟
يفرض السياق الإقليمي الراهن على الحوثيين ضغوطا متضاربة. من جهة، يريدون تقديم أنفسهم بطلا إقليميا لا يزال يقاتل حين صمت الآخرون، وهو رأسمال سياسي هائل في الشارع العربي والإسلامي.
ومن جهة أخرى، يعلمون أن استفزازا كافيا قد يجر عليهم ردا إسرائيليا — أو أمريكيا — يطال بنيتهم العسكرية وأصولهم التي بنوها بصبر طوال سنوات الحرب اليمنية.
يضاف إلى ذلك أن الوضع الداخلي اليمني لم يستقر بعد. فالحوثيون وإن سيطروا على الشمال، يخوضون معركة استنزاف مستمرة، ويحتاجون إلى الحفاظ على منظومتهم العسكرية كضمانة بقاء محلية أولا وقبل أي اعتبار إقليمي. الانخراط الكامل في مواجهة إسرائيل قد يكسبهم شعبية إقليمية لكنه سيعرض ما بنوه على الأرض اليمنية للخطر.
“الحوثيون يعرفون أن الشهادة الإعلامية بالمقاومة تكسب، والحرب الشاملة تكلف. وبين الاثنين، اختاروا ما يجمع الكسبين دون تحمل التكلفة الكاملة.”
الدلالة الاستراتيجية: نموذج الوكيل الانتقائي
ما يكشفه سلوك الحوثيين يفيد في فهم طبيعة التحالفات غير المتماثلة في المنطقة بشكل أوسع. فنموذج “محور المقاومة” لا يعمل وفق سلسلة قيادة هرمية صارمة يصدر فيها المركز الإيراني الأوامر وتنفذها الأطراف طاعة عمياء. بل هو شبكة من التقاطعات والمصالح المشتركة، يقدم فيها كل طرف ما يحقق مصالحه الخاصة ضمن الإطار العام للتحالف.
في هذا السياق، الدعم الحوثي لإيران في لحظتها الراهنة هو دعم انتهازي بامتياز: حاضر بما يكفي لتثبيت صورة التحالف، غائب بما يكفي لتجنب الاستحقاقات الباهظة.
وهذا لا يعني أن الحوثيين سيبقون على هذا المستوى من التحفظ إلى ما لا نهاية، فأي تطور دراماتيكي في الصراع الإقليمي قد يعيد الحسابات بسرعة.
خلاصة القول، العلاقة بين الحوثيين وإيران ليست علاقة وكيل وموكل بالمعنى التقليدي، بل هي شراكة انتهازية تعيد كلا الطرفين معايرتها باستمرار وفق متغيرات الميدان وحسابات المصلحة.
والعمليات الثلاث الأخيرة ليست دليلا على التزام مطلق، بل هي رسالة متقنة الصياغة: نحن هنا، نقاتل، لكننا لسنا مستعدين للاحتراق من أجل أحد، وهذا وحده يجيب عن سؤال لماذا تتجاهلهم إسرائيل حتى الآن.










