سجل نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر تراجعا حادا ومقلقا خلال شهر مارس 2026، متأثرا بشكل مباشر بتداعيات الحرب المستعرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي فرضت ضغوطا هائلة على مستويات الطلب ورفعت تكاليف الإنتاج إلى مستويات قياسية.
ووفقا لبيانات مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن “ستاندرد آند بورز غلوبال”، يواجه الاقتصاد المصري غير النفطي تحديات لوجستية ومالية متزايدة ناتجة عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
انخفاض المؤشر لأدنى مستوى في عامين
أظهرت البيانات الميدانية انخفاض المؤشر الرئيسي، المعدل موسميا، إلى 48.0 نقطة في مارس مقابل 48.9 نقطة في فبراير، ليسجل بذلك أدنى مستوى له منذ نحو عامين.
ويشير هذا التراجع إلى استمرار حالة الانكماش للشهر الرابع على التوالي، حيث تعكس القراءات دون مستوى الـ 50 نقطة تراجعا في الأداء الاقتصادي العام للقطاع الخاص.
وشهدت الطلبات الجديدة والإنتاج تراجعا ملحوظا، حيث هبط كلا المؤشرين إلى مستويات دنيا لم تشهدها الأسواق منذ قرابة عامين.
وأرجعت الشركات المشاركة في الدراسة هذا الضعف إلى إحجام العملاء عن الشراء نتيجة الارتفاع المستمر في الأسعار، وتزايد حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية المتفجرة، مما دفع المستهلكين والمستثمرين على حد سواء إلى تبني سياسات إنفاق أكثر حذرا.
قفزة في التكاليف وضغوط العملة
في المقابل، ارتفعت تكاليف مستلزمات الإنتاج بشكل حاد خلال مارس، مسجلة أكبر زيادة لها منذ نهاية عام 2024. وجاء هذا الارتفاع مدفوعا بصعود أسعار الوقود والسلع الأساسية عالميا بفعل الحرب، إلى جانب الضغوط التي تعرض لها سعر صرف الجنيه أمام الدولار الأمريكي نتيجة لجوء المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
وانعكس هذا الارتفاع في التكاليف بشكل مباشر على أسعار البيع النهائية، التي سجلت أسرع وتيرة ارتفاع لها منذ مايو 2025. وكان القطاع الصناعي هو المتضرر الأكبر، حيث أبلغت المصانع عن زيادات حادة في أسعار المواد الخام والمدخلات، مما وضع ميزانيات الشركات تحت اختبار قاس.
رؤية الخبراء واستقرار التوظيف
من جانبه، أشار ديفيد أوين، الخبير الاقتصادي في “ستاندرد آند بورز غلوبال”، إلى أن قراءة المؤشر عند 48.0 نقطة، رغم سلبيتها، لا تزال تتسق مع نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي بنحو 4.3%، مما يعكس وجود “زخم أساسي” وقدرة على الصمود داخل الاقتصاد المصري.
وأضاف أوين أن صعود الدولار وأسعار الطاقة يزيد من الأعباء المالية على الشركات، لكنه لاحظ استقرارا نسبيا في معدلات التوظيف بعد موجات خفض الوظائف السابقة، وتحسنا طفيفا في النشاط الشرائي.
تحول تاريخي في التوقعات المستقبلية
لعل التطور الأكثر لفتة للانتباه في تقرير مارس هو التحول الدراماتيكي في التوقعات المستقبلية، إذ دخلت ثقة الشركات بشأن النشاط خلال الاثني عشر شهرا المقبلة “المنطقة السلبية” لأول مرة منذ بدء السلسلة الإحصائية للمؤشر.
ويرجح أصحاب الأعمال تراجع الإنتاج في ظل استمرار الضبابية المرتبطة بالحرب، ورغم أن مستوى التشاؤم لا يزال “محدودا نسبيا” مقارنة بحجم الأزمة، إلا أن دخوله المنطقة السلبية يمثل جرس إنذار حول نظرة القطاع الخاص لمستقبل الاستقرار الاقتصادي في ظل الصراع الحالي.










