نزاع داخلي يُهدّد استقرار الحكم ويُعيد رسم الخريطة السياسية في داكار
داكار – المنشر الإخبارى
في قلب غرب أفريقيا، حيث لطالما ارتبطت السنغال بصورة من الاستقرار السياسي والانتقالات السلمية في السلطة، تشتعل اليوم أجواء السلطة والصراع الداخلي بين مؤسستين تنفيذيتين بارزتين: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. في هذا السياق يتجاذب رئيس الجمهورية باسيرو ديوماي دياخار فاي ورئيس الوزراء عثمان سونكو، صراع قد يطيح بأحد أبرز الوجوه السياسية في البلاد، ويعيد ترتيب أولويات الحكم ومستقبل التحالفات السياسية في السنغال، في وقت تبدو فيه العلاقات بين القوى التقليدية والعاملة محل اختبار حقيقي وسط مخاطر اجتماعية واقتصادية كبيرة.
خلافات غير مسبوقة تهدد التحالف الرسمي
على مدى العامين الماضيين، شكّلت علاقة تحالف بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء عثمان سونكو أحد الأعمدة الأساسية في الحكم السنغالي. فقد جاء سونكو إلى رئاسة الحكومة كحليف رئيسي للرئيس، وذلك بعد سجنه وخروجه خلال أزمة سياسية معقدة في الأعوام الماضية، ثم أخضع لدعم شعبي واسع دفع بديوماي إلى جعله رأس الجهاز التنفيذي. لكن تلك العلاقة التي بدت في ظاهرها متناغمة سرعان ما بدأت تتصدّع، إذ ظهرت خلافات واضحة في وجهات النظر بين الرجلين حول أولويات الحكم والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
السياق السياسي للخلاف يعود إلى اختلاف في إدارة ملفات كبرى مثل الديون، التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وتحديد مسارات التغيير في البلاد. حيث يرى سونكو في بعض الخطوط السياسية التي يتبعها ديوماي تقاربًا مع النخب المالية التقليدية، بينما يصرّ سونكو على تبني حلول وطنية أقل تأثرًا بشروط المؤسسات الدولية، لا سيما في ملف الديون الخفية التي أضعفت ثقة داكار لدى شركائها الماليين.
المفارقة أن هذا الصراع الداخلي يحدث في ظل أغلبية برلمانية تابعة لحزب سونكو (الوطنيين الأفارقة من أجل العمل والأخلاق والأخوة – PASTEF)، الذي يسيطر بأغلبية كبيرة على الجمعية الوطنية، ما قد يعرّض أي محاولة لإسقاط سونكو لردود فعل عنيفة في البرلمان وربما انفصال بعض الكتل عنه.
السيناريوهات المتداولة لخلافة سونكو
في الكواليس السياسية السنغالية، يتم التداول حاليًا بأربعة أسماء بارزة قد تُطرح لخلافة عثمان سونكو إذا قرر الرئيس اتخاذ خطوة الثورة على الثنائي الحالي. وتتنوع هذه الأسماء بين أصحاب الخبرات الاقتصادية الرفيعة والقيادات العسكرية السابقة، ما يعكس محاولة الرئاسة الحفاظ على التوازن بين الاستقرار الأمني والثقة المالية:
- مختار ديوب – الخبير الاقتصادي الدولي
• يُعد مختار ديوب المرشح الأبرز لخلافة سونكو، إذ يشغل حاليًا منصب المدير العام لمؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي.
• يمتلك ديوب خبرة واسعة في الشؤون المالية والاقتصادية، وقد شغل منصب نائب الرئيس للشؤون الأفريقية في البنك الدولي، كما كان وزيرًا للاقتصاد والمالية في السنغال، ما يمنحه خبرة في التعامل مع الأزمات المالية والعلاقات مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي.
• من شأن تعيينه أن يبعث رسالة قوية للأسواق العالمية وصندوق النقد بأن السنغال لا تزال ملتزمة بالإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي، خاصة بعد تدخّلها في ملفات “الديون الخفية”. - الجنرال مباي سيسي – خيار أمني قوي
• يأتي الجنرال مباي سيسي على رأس الترشيحات العسكرية، حيث شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وكان مسؤولًا عن الإشراف على انسحاب القوات الفرنسية من البلاد، مما زاد من شعبيته داخل الأوساط الأمنية.
• يرى بعض المحللين أن تعيين شخصية عسكرية في هذا المنصب قد يكون مناسبًا لاحتواء أي اضطرابات محتملة داخل البلاد في حال قرر الرئيس إقالة سونكو، بالنظر إلى أن أدواره الأمنية قد تمنحه قدرة على إدارة مرحلة انتقالية. - الجنرال بيرام ديوب – قيادة دفاعية متمرسة
• يشغل الجنرال بيرام ديوب حاليًا منصب وزير الدفاع، وكان قبل ذلك رئيس هيئة الأركان العامة، كما عمل كمستشار عسكري لعمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.
• يتمتع بخبرة دولية واسعة في مجال الدفاع والأمن، وقد يُنظر إليه كمرشح قوي لشغل منصب رئيس الوزراء، خصوصًا إذا أرادت الرئاسة دمج الخبرة العسكرية مع الرؤية السياسة في وقت يتطلب فيه الاستقرار الأمني والسياسي واجبًا محوريًا. - محمدو مختار سيسي – التكنوقراطي المخضرم
• يتمتع محمدو مختار سيسي بسجل تقني وسياسي طويل، شغل منصب المدير العام للجمارك ووزير الميزانية، وعمل في مناصب استراتيجية أخرى مثل وزير الطاقة والبترول ووزير الداخلية لفترات أساسية في السنوات الأخيرة.
• يجمع سيسي بين الخبرة في الوظائف السيادية وفهم تعقيدات النظام المالي والإداري، ما يجعله خيارًا مفضلاً لدى بعض الأوساط السياسية التي ترغب في شخصية تجمع بين الخبرة التقنية والسياسة العامة.
سونكو في مرمى التغيير: شخصية شعبية بين البرلمان والرئاسة
رغم أن الجدل يتركز حول إمكانية تنحية عثمان سونكو، فإن شخصية سونكو نفسها لا يمكن تجاهلها. فالرجل، المولود في 1974 في مدينة تييس، بدأ حياته المهنية كمفتّش ضريبي، واشتهر بفضح ملفات فساد كبرى قبل تأسيسه حزب PASTEF عام 2014. وقد جذب سونكو دعمًا شعبيًا واسعًا خاصة بين الشباب والطبقات المتضررة من الفساد، ما جعله رمزًا للمعارضة السياسية في البلاد.
سونكو دخل مجلس النواب عام 2017، ثم أصبح عمدة لمدينة زيغنشور عام 2022، قبل أن يتولى منصب رئيس الوزراء بعد إطلاق سراحه من السجن، حيث كان قد مُنع من الترشّح للرئاسة في 2024. رغم خلافاته مع ديوماي، يظل سونكو رمزًا قويًا داخل البرلمان، ويُقال إن مجموعة كبيرة من أعضاء حزب PASTEF قد تعهدت بدعمه إذا ما انفصل عن الرئيس، وهو ما يجعل منحى قراره الرئاسي معقدًا للغاية.
الخلافات السياسية إلى أين؟
الخطورة في الأزمة الحالية تكمن في أنها ليست مجرد خلافات شخصية بين رئيسين تنفيذيين، بل تمس جوهر الاستقرار السياسي في السنغال. إذ يتمتع حزب PASTEF بأغلبية مريحة في الجمعية الوطنية، وبالتالي فإن أي محاولة لإقالة سونكو قد تواجه ردة فعل قوية قد تندفع نحو أزمة أكثر اتساعًا قد تشمل مواجهة البرلمان والحكومة.
وقد ظهر ذلك في نهاية عام 2025 عندما كلّف سونكو اثنين من مساعديه لاستطلاع آراء أعضاء البرلمان، من بينهم 130 نائبًا، حول موقفهم لو انفصل عن الرئاسة، وكانت النتائج بحسب مصادر مطلعة “مشجعة للغاية”، ما يعكس دعمًا شعبيًا وسياسيًا داخليًا قويًا، رغم الخلافات مع الرئاسة.
باسيرو ديوماي فاي: الرئيس وأهدافه
من جانبه، يعد باسيرو ديوماي دياخار فاي، الذي تولى رئاسة السنغال في أبريل 2026، أصغر رئيس منتخب في تاريخ البلاد بعمر 46 عامًا، شخصية محورية في المشهد السياسي السنغالي. كان ديوماي نائبًا لحزب الوطنيين الأفارقة من أجل العمل والأخلاق والأخوة، الذي أسسه عثمان سونكو، وأصبح أمينه العام قبل أن يفوز بالرئاسة.
تجربته شملت السجن مع سونكو في 2023–2024 بتهم وصفتها المعارضة بأنها سياسية، قبل أن يُفرج عنه ويُسمح له بالترشيح. وفاز في الجولة الأولى من الانتخابات بنسبة 54.28% في 24 مارس 2024، ما مثل نقطة تحول في تاريخ المعارضة السنغالية، ونُظر إليه على أنه رمزا لجيل الشباب الباحث عن تغيير حقيقي.
في برنامجه الانتخابي، ركّز ديوماي على مكافحة الفساد، تعزيز السيادة الاقتصادية، وإصلاحات اجتماعية جذرية، وهو ما جعله شخصية تحظى بقبول شعبي واسع، لكن الخلافات الحالية مع سونكو تُبرز التحديات التي تواجهه في سبيل تنفيذ رؤيته داخل نظام سلطوي تشاركي لكنه هش في بعض مكوناته.
الديون الخفية وصراع الثقة الدولية
لا يمكن فهم الخلاف الأخير بمعزل عن الخلفية المالية والاقتصادية التي تعيشها السنغال. فالعلاقات مع مؤسسة بريتون وودز الدولية تدهورت في الأشهر الأخيرة بسبب ما عُرف بقضية الديون الخفية، حيث ظهرت معلومات عن التزامات مالية لم تُعلن رسمياً، ما أثار شكوكًا حول الشفافية المالية في البلاد.
وقد أدّى هذا التراجع إلى توتر العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو ما يجعل حضور مختار ديوب كمرشح بقوة محل أنظار، إذ يؤمن ديوماي ودوائر سياسية أخرى أن استعادة ثقة هذه المؤسسات أصبحت أولوية لمعالجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
سيناريوهات ما بعد سونكو
يبدو أن البلاد أمام أربعة سيناريوهات محتملة في حال تنحية عثمان سونكو:
- تعيين تكنوقراطي اقتصادي مثل مختار ديوب لإعادة الثقة المالية واحتواء المخاطر الاقتصادية.
- اختيار شخصية عسكرية كحلّ لتعزيز الاستقرار الداخلي، خصوصًا إذا تزايدت التوترات مع البرلمان.
- تعيين شخصية سياسية ذات خبرة إدارية مثل محمدو مختار سيسي لربط الأداء التنفيذي بخبرة السياسة العامة.
- تجميد القرار إلى ما بعد أكتوبر للاستفادة من القانون الذي يسمح بحل الجمعية الوطنية، إن اقتضت الحاجة.
كل من هذه الخيارات يحمل تداعيات سياسية، اقتصادية، وشعبية مختلفة، وقد تؤدي إلى إعادة رسم أولويات الحكم في السنغال لعقود قادمة.
منعطف خطير في تاريخ السنغال
تصاعد الخلاف بين ديوماي وسونكو ليس مجرد خلاف عابر؛ بل هو مؤشر على أزمة أعمق في نظام الحكم السنغالي، تتعلق في جوهرها بتوازنات السلطة، ومعضلات الشراكة بين القوة التنفيذية والبرلمانية، وتحديات إدارة الاقتصاد في ظل مخاطر مالية متصاعدة.
ومع تصاعد التوتر السياسي، يظل السؤال الأكبر: هل ستستطيع السنغال تجنب أزمة حقيقية قد تهز استقرارها الداخلي، أم أن هذه الأزمة ستكون بداية لإعادة هندسة النظام السياسي بما يتلاءم مع تطلعات شعبها إلى حكم رشيد ومستدام؟










