إسلام آباد – انطلقت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولات مفصلية من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، في لحظة فارقة توصف بأنها “الملاذ الأخير” لتجنب انفجار إقليمي شامل.
ومع بدء هذا الماراثون الدبلوماسي، يخيم سؤال جوهري على المشهد: هل ستؤول هذه التفاهمات إلى وقف إطلاق نار دائم يُنهي حالة الاستنزاف، أم أنها مجرد “استراحة محارب” ستعقبها جولة أكثر ضراوة من الصراع؟
بين الوضوح المؤلم والأمل الكاذب
في قراءة متأنية للمشهد، يبدو أن ما يحرك المفاوضات الحالية ليس الرغبة في “السلام المثالي”، بل الضرورة الواقعية الباردة.
لطالما ساد اعتقاد لدى البعض بأن الاستراتيجية الأمريكية، وتحديداً في عهد الرئيس ترامب، تهدف إلى اقتلاع النظام في طهران وتغيير وجه إيران السياسي جذرياً.
إلا أن التحليل الواقعي لمسار الأحداث يشير إلى حقيقة مغايرة تماماً؛ فالهدف الأساسي لم يكن التغيير، بل “الإجبار على الاستسلام” تحت ضغوط اقتصادية وعسكرية هائلة.
إن التمسك بالأمل الكاذب في أن القوى الخارجية ستنجز مهمة التغيير الداخلي نيابة عن الشعوب هو وهم سياسي خطير، هذا النوع من الأمل، حين يخفق، يرتد كالبوميرانج ليحطم التماسك الوطني والقدرة على الصمود.
الواقعية ليست هزيمة، بل هي “الوضوح المؤلم” الذي يقدم خدمة أصدق للشعب الإيراني، بدلاً من بناء قصور في الرمال السياسية لا سند لها.
ثوابت واشنطن: الاستسلام لا الانهيار
الحقيقة التي يجب استيعابها مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد هي أن الولايات المتحدة لم تلتزم قط، في أي مرحلة من مراحل الأزمة، بإسقاط النظام الإيراني.
هذا الموقف ليس غياباً طارئاً، بل سياسة مدروسة بعناية. واشنطن، التي لا تزال تعاني من آثار تجاربها في العراق وليبيا وأفغانستان، تدرك جيداً معنى “الفوضى التي تلي السقوط”.
إيران بحجمها الجيوسياسي وعمقها الديموغرافي ليست دولة يمكن تفكيكها دون تبعات كارثية تطال استقرار المنطقة بأسرها، وتؤثر بشكل مباشر على مصالح حلفاء واشنطن الإقليميين.
أضف إلى ذلك، فإن المصالح الأمريكية في قطاعات الطاقة والأمن البحري في الخليج تجعل من “المغامرة العقائدية” بتغيير النظام خياراً محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية التي لا يجرؤ أي رئيس أمريكي على تحملها.
بين طموح نتنياهو وبراغماتية ترامب
على الجانب الآخر، تبرز إسرائيل كمحرك رئيسي يطمح لتغيير النظام، وهو موقف مفهوم من منظور استراتيجي إسرائيلي يرى في طهران تهديداً وجودياً. لكن، وفي معادلة القوة الحالية، يبقى القرار النهائي في يد واشنطن.
ترامب، بصفته “رجل صفقات” بامتياز، لا يرى في الحرب غاية في حد ذاتها.
بالنسبة له، فإن وقف إطلاق نار يحمل توقيعه الشخصي ويضمن استقرار الأسواق العالمية وحماية الموارد الأمريكية هو إنجاز سياسي يتفوق بمراحل على حرب مفتوحة تستنزف الميزانية وتعقد حسابات إعادة انتخابه. الشراكة بين واشنطن وتل أبيب عميقة، لكنها ليست “تساوياً في الإرادة” حين يتعلق الأمر بقرار الحرب الكبرى.
المفارقات الضائعة: دروس من مسار الصراع
بالنظر إلى الخلف، نجد أن إيران مرت بثلاث لحظات فارقة كانت كفيلة بتغيير مسار التاريخ الحالي:
قبل الحرب: لو قبلت طهران بشروط “الاستسلام” المطلوبة قبل اندلاع الشرارة الأولى، لربما دفع الشعب ثمناً سياسياً باهظاً، لكنه كان ليتجنب الثمن البشري والمادي المروع الذي يدفعه اليوم.
بداية الحرب: لو استخدمت إيران أوراقها الجيوسياسية، مثل مضيق هرمز، كأداة ضغط براغماتية للتفاوض المبكر، لكان وقف إطلاق النار قد تحقق منذ أسابيع.
اللحظة الراهنة: الباب في إسلام آباد لا يزال موارباً. الانخراط بجدية في المفاوضات الآن قد يحول وقف إطلاق النار المؤقت إلى مسار استقرار ممتد، لكن هذا الباب يضيق مع كل يوم يمر دون تنازلات متبادلة.
ما الذي جناه الداخل الإيراني؟
ليس من المنطقي، لا أخلاقياً ولا استراتيجياً، انتظار التغيير من الخارج. ما تحقق بالفعل خلال الأشهر الماضية، وبفعل الضغوط الدولية والداخلية، هو “إضعاف قوة القمع”. الآلة الأمنية والحرس الثوري، اللذان استُنزفا في مواجهات خارجية وداخلية، فقدا جزءاً من أنيابهما. الثروة التي كانت توجه لتمويل “ماكينة الترهيب” تآكلت، وهذا بحد ذاته مكسب للشعب الذي يسعى لاستعادة قراره السيادي.
مستقبل غامض وضرورة وجودية
قد تستمر الحرب لأسباب تتجاوز حسابات ترامب وخامنئي، وقد يجد البيت الأبيض نفسه أمام ضغط شعبي إيراني يجعل التوافق مع إرادة التغيير “مجدياً” سياسياً. لكن هذا يبقى احتمالاً لا ضمانة له.
المعادلة الجوهرية لم تتغير
التغيير الحقيقي والمنشود ليس “ترفاً”، بل هو ضرورة وجودية لشعب أدرك أن العجز الاستراتيجي لحكومته بات قيداً على مستقبل الأجيال. مفاوضات إسلام آباد قد توقف أزيز الرصاص، لكنها لن تنهي الصراع الداخلي بين شعب ينشد الحياة ونظام يصارع من أجل البقاء. الطريق طويل، والوضوح في رؤية العقبات هو السلاح الأهم في هذه المرحلة.










