برشلونة – المنشر الإخبارى
تنطلق يوم الأحد من السواحل الإسبانية واحدة من أكبر المبادرات البحرية التضامنية المتجهة نحو قطاع غزة، حيث يبدأ “أسطول الصمود العالمي” رحلته الجديدة في محاولة لإيصال مساعدات إنسانية وكسر الحصار البحري المفروض على القطاع منذ سنوات، في خطوة وُصفت بأنها الأوسع منذ إطلاق الفكرة.
وتأتي هذه النسخة من الأسطول بمشاركة غير مسبوقة مقارنة بالعام الماضي، إذ يضم نحو 70 سفينة مختلفة الأحجام، وعلى متنها قرابة ألف متطوع من نحو 70 دولة، ما يعكس اتساع دائرة الدعم الدولي للمبادرة، وتحولها من تحرك رمزي إلى حدث سياسي وإنساني واسع النطاق.
وكانت النسخة السابقة من الأسطول قد انطلقت في سبتمبر من العام 2025 من برشلونة أيضًا، لكنها كانت أقل حجمًا، إذ شارك فيها 42 قاربًا و462 شخصًا فقط، قبل أن تتعرض لظروف ميدانية معقدة خلال محاولتها الوصول إلى القطاع.
ويؤكد القائمون على الأسطول أن الهدف الأساسي للمهمة الحالية هو إيصال مساعدات إنسانية عاجلة إلى سكان غزة، إلى جانب الضغط من أجل فتح ممر بحري آمن يضمن تدفق الإمدادات دون قيود، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية داخل القطاع.
رسائل سياسية وإنسانية واضحة
وقال أحد المتحدثين باسم الأسطول، بابلو كاستيا، إن هذه المبادرة لا تقتصر على الجانب الإغاثي فقط، بل تحمل رسالة سياسية واضحة ضد ما وصفه بتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة واستمرار القيود المفروضة عليها.
وأضاف أن الهدف هو “إدانة الصمت الدولي” تجاه ما يجري في القطاع، والدعوة إلى تحرك دولي عاجل لوقف تدهور الأوضاع الإنسانية، مشيرًا إلى أن المبادرة تسعى كذلك إلى الضغط من أجل فتح ممرات إنسانية برية وبحرية بشكل دائم.
كما أشار إلى أن تراجع الاهتمام الإعلامي الدولي بالقضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة، في ظل انشغال العالم بأزمات وصراعات أخرى، ساهم في تفاقم الوضع الإنساني داخل غزة، على حد تعبيره.
مشاركة منظمات دولية معروفة
وتحظى نسخة هذا العام من “أسطول الصمود” بمشاركة منظمات دولية بارزة في مجالات الإغاثة وحقوق الإنسان والملاحة الإنسانية، من بينها منظمة “السلام الأخضر” المعروفة بنشاطها البيئي والحقوقي، ومنظمة “أوبن آرمز” المتخصصة في عمليات إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط.
كما يشير المنظمون إلى وجود دعم متزايد من مؤسسات مدنية في إسبانيا، وعلى رأسها بلدية برشلونة، التي أعلنت دعمها اللوجستي للمبادرة، في إطار ما وصفته بدعم التحركات الإنسانية الدولية.
ويؤكد القائمون على الأسطول أن جميع الإجراءات تتم وفق القوانين الدولية الخاصة بالملاحة البحرية، وأن الرحلة تنسق مع خبراء قانونيين ومختصين في أمن البحر والاستراتيجيات الإعلامية لضمان سلامة المشاركين.
تصعيد سابق ومخاوف من تكرار المواجهة
تأتي هذه التحركات في ظل سجل سابق من التوترات بين الأسطول والسلطات الإسرائيلية، حيث شهدت نسخة العام الماضي حادثة بارزة عندما اعترضت القوات الإسرائيلية نحو 42 سفينة من الأسطول أثناء إبحارها في المياه الدولية باتجاه غزة في الأول من أكتوبر، وتمت السيطرة عليها واعتقال مئات النشطاء الدوليين على متنها قبل أن يتم ترحيلهم لاحقًا.
وأثارت تلك الحادثة حينها انتقادات واسعة من منظمات حقوقية دولية، اعتبرت أن اعتراض السفن في المياه الدولية يثير تساؤلات قانونية حول حرية الملاحة وحماية العمل الإنساني.
ومع انطلاق النسخة الجديدة، تتزايد المخاوف من احتمال تكرار سيناريو التصعيد، خاصة في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
أزمة إنسانية متفاقمة في غزة
يعيش قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 1.5 مليون شخص أصبحوا بلا مأوى نتيجة الدمار الواسع الذي خلفته العمليات العسكرية الأخيرة، وسط انهيار واسع للبنية التحتية.
ويعاني القطاع من نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود، إضافة إلى تضرر كبير في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، ما جعل النظام الصحي شبه عاجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
كما تستمر القيود على إدخال المساعدات الإنسانية، سواء عبر المعابر البرية أو البحرية، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويضع المنظمات الدولية أمام تحديات كبيرة في إيصال الإغاثة.
تزايد الدعم الشعبي والدولي
ورغم التحديات، يشهد “أسطول الصمود” دعمًا متزايدًا من منظمات المجتمع المدني في عدد من الدول الأوروبية والعربية، إلى جانب ناشطين في مجال حقوق الإنسان، الذين يعتبرون أن المبادرة تمثل شكلًا من أشكال الضغط السلمي لإيصال المساعدات الإنسانية.
ويأمل منظمو الأسطول أن تسهم المشاركة الواسعة هذا العام في زيادة الضغط الدولي من أجل فتح ممر إنساني دائم نحو قطاع غزة، بما يسمح بتدفق المساعدات بشكل منتظم دون عوائق.
بين العمل الإنساني والتصعيد المحتمل
يبقى “أسطول الصمود” في منطقة حساسة تجمع بين البعد الإنساني والسياسي، إذ تحاول المبادرة تقديم مساعدات مباشرة للمدنيين، في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة.
ومع انطلاق الرحلة الجديدة من إسبانيا، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه المبادرة ستنجح في الوصول إلى أهدافها، أم ستواجه مرة أخرى تحديات ميدانية تعيد المشهد إلى دائرة التوتر في البحر المتوسط.










