تحول بنيوي في أسلوب النفوذ الإيراني يعيد تشكيل قواعد الاشتباك داخل الساحة العراقية
بغداد – المنشر الإخبارى
انتقال هادئ من الظل إلى قلب القرار العسكري
تشير المعطيات الميدانية المتراكمة خلال الفترة الأخيرة إلى أن الحضور الإيراني في العراق لم يعد محصورًا في إطار “الدعم الاستشاري” أو “المساندة اللوجستية” كما كان يُعلن سابقًا، بل تطور تدريجيًا نحو مستوى أكثر حساسية يتمثل في المشاركة المباشرة في إدارة العمليات العسكرية للفصائل المسلحة.
هذا التحول لا يبدو مجرد تعديل تكتيكي في أسلوب العمل، بل يعكس إعادة هندسة لطبيعة النفوذ الذي يمارسه الحرس الثوري داخل العراق، حيث ينتقل الدور من المراقبة والتوجيه غير المباشر إلى التأثير الفعلي في لحظة اتخاذ القرار الميداني، بما يشمل اختيار الأهداف وتوقيت الضربات وآليات التنفيذ.
حضور عملياتي مباشر بدل الاكتفاء بالدعم غير المباشر
مصادر أمنية عراقية تشير إلى أن وجود ضباط من الحرس الثوري داخل الأراضي العراقية لم يعد يقتصر على تقديم الاستشارة أو التدريب، بل بات يشمل إشرافًا مباشرًا على تفاصيل دقيقة تتعلق بسير العمليات العسكرية، خصوصًا تلك التي تنفذها الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران.
هذا الإشراف يمتد ليشمل تحديد بنك الأهداف، وتقييم الجدوى العملياتية لكل عملية، ومراقبة تنفيذها في الزمن الحقيقي، وهو ما يعني عمليًا أن جزءًا من القرار العسكري لم يعد محليًا بالكامل، بل يخضع لتوجيهات مركزية مرتبطة بغرف عمليات خارج الإطار الرسمي للدولة العراقية.
هذا التداخل يخلق واقعًا جديدًا على الأرض، حيث تتداخل خطوط القيادة بين الفصائل المحلية والمستشارين الإيرانيين، بما يجعل من الصعب التمييز بين القرار الداخلي والتوجيه الخارجي في بعض العمليات.
غرف عمليات ظل وإدارة شبكات ميدانية معقدة
من أبرز ملامح هذا التحول ظهور ما يمكن وصفه بـ”غرف عمليات ظل”، وهي شبكات قيادة غير معلنة تعمل بعيدًا عن الأطر الرسمية، وتتولى تنسيق العمليات العسكرية بين عدة فصائل في وقت واحد.
هذه الغرف لا تعمل فقط على التخطيط، بل تتدخل في إدارة التفاصيل الدقيقة مثل توزيع الخلايا المسلحة داخل المدن، واختيار مواقع الإطلاق، وإعادة تشكيل خطوط الإمداد والاتصال بما يتناسب مع طبيعة المواجهة المتغيرة.
وتشير المعلومات إلى أن هذه البنية التنظيمية تعتمد على توزيع مرن للخلايا القتالية داخل مناطق مدنية، مع استخدام مواقع يصعب استهدافها بسهولة، الأمر الذي يهدف إلى الحفاظ على قدرة تنفيذ العمليات حتى في ظل الضربات الجوية أو الاستهداف الاستخباري.
هذا النمط يعكس تطورًا في التفكير العملياتي، يقوم على تفكيك المركزية التقليدية واستبدالها بشبكة مرنة قادرة على الاستمرار تحت الضغط.
تطور نوعي في إدارة الطائرات المسيّرة والصواريخ
من النقاط الأكثر حساسية في هذا التحول هو الدور المتزايد للحرس الثوري في إدارة المنظومات الحديثة، خصوصًا الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، والتي أصبحت جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية للفصائل.
بحسب مصادر ميدانية، فإن تشغيل هذه المنظومات لم يعد يعتمد فقط على كوادر محلية، بل تم إدخال فرق متخصصة تتولى إدارة هذه الأسلحة بشكل مباشر، بما يشمل البرمجة، وتحديد مسارات الطيران، واختيار الأهداف، وتوقيت التنفيذ.
هذا التطور يرفع من مستوى التعقيد التقني للعمليات، ويجعلها أكثر ارتباطًا بالبنية التكنولوجية التي يوفرها الحرس الثوري، ما يعزز من مركزية القرار في يد أطراف خارجية مقارنة بالسنوات السابقة.
كما أن هذا النمط يقلل من هامش الخطأ الميداني، لكنه في المقابل يزيد من مستوى التصعيد المحتمل في حال وقوع أخطاء أو استهدافات غير محسوبة.
إعادة هندسة الفصائل المسلحة من الداخل
التغير في طبيعة الدور الإيراني لا يقتصر على الجانب العملياتي فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل بنية الفصائل المسلحة نفسها، سواء من حيث القيادة أو آليات اتخاذ القرار أو توزيع الأدوار داخل الميدان.
خلال السنوات الماضية، وخاصة منذ مرحلة ما بعد مواجهة تنظيم داعش، جرى دمج المستشارين الإيرانيين بشكل أعمق داخل هيكل هذه الفصائل، ما سمح بتكوين طبقة وسطى من القيادة ترتبط بشكل مباشر بالتوجيهات الخارجية.
هذا التطور أدى إلى تراجع تدريجي في استقلالية القرار المحلي داخل بعض الفصائل، لصالح نمط أكثر ترابطًا مع مراكز القرار الإقليمية، وهو ما يجعل بنية هذه الجماعات أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للفصل بين المحلي والإقليمي.
توتر صامت مع مؤسسات الدولة العراقية
رغم الطابع غير المعلن لهذه التحولات، إلا أن المؤشرات تشير إلى وجود توترات متزايدة بين بعض الأجهزة الأمنية العراقية وهذه الشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، خصوصًا في ما يتعلق بالعمليات التي تنطلق من مناطق حساسة أو قرب مراكز مدنية.
تحدثت مصادر أمنية عن حالات تدخل غير مباشر لمنع اتخاذ إجراءات قانونية بحق عناصر يشتبه بتورطهم في عمليات عسكرية، إضافة إلى ضغوط سياسية عبر قنوات متعددة لتجميد بعض التحقيقات.
هذا الوضع يضع الدولة العراقية أمام معادلة معقدة، تتمثل في محاولة الحفاظ على سيادتها الأمنية من جهة، ومواجهة شبكة نفوذ متداخلة تمتد داخل مؤسساتها من جهة أخرى.
نموذج “المستشار” كغطاء استراتيجي
يُستخدم مفهوم “المستشار العسكري” في هذا السياق كإطار يتيح هامشًا من الإنكار السياسي، حيث يتم تقديم هؤلاء كخبراء دعم دون إعلان رسمي عن دورهم التنفيذي.
لكن الواقع الميداني يشير إلى أن هذا الغطاء يتجاوز وظيفته الشكلية، إذ يتم توظيفه كأداة لإدارة النفوذ دون الدخول في مواجهة دبلوماسية مباشرة مع الدولة العراقية أو المجتمع الدولي.
هذا النموذج يمنح طهران قدرة على التحرك داخل بيئات متعددة دون تحمل كلفة سياسية مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة السيادة وحدود التدخل الخارجي في القرارات الأمنية الداخلية.
انعكاسات إقليمية تتجاوز حدود العراق
لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يرتبط نشاط الفصائل المسلحة داخل العراق بتوازنات أوسع تشمل الوجود الأمريكي في المنطقة، وحركة الملاحة، والتوترات الممتدة في أكثر من ساحة.
أي تغيير في نمط إدارة هذه الفصائل ينعكس تلقائيًا على مستوى الاستقرار الإقليمي، خصوصًا إذا ارتبط بعمليات عابرة للحدود أو استهداف مصالح دولية.
كما أن استمرار هذا النموذج يعمّق حالة “تعدد مراكز القرار” في المنطقة، ما يجعل أي محاولة لاحتواء التصعيد أكثر تعقيدًا.
ساحة مفتوحة على إعادة تشكيل مستمرة
المشهد في العراق يبدو اليوم أقرب إلى مرحلة إعادة تشكيل مستمرة، حيث تتداخل فيها الأدوار المحلية مع الإقليمية بشكل يصعب فصله أو ضبطه ضمن قواعد تقليدية.
ومع استمرار هذا النمط من الإدارة الميدانية غير المباشرة، تبقى الساحة العراقية مرشحة لمزيد من التعقيد، سواء على مستوى الأمن الداخلي أو التوازنات الإقليمية، في ظل غياب تسوية واضحة تحدد بدقة حدود النفوذ ودور كل طرف داخل المشهد.










