تصاعد المواجهات في لبنان يعيد طرح سؤال وحدة الساحات وسط تحذيرات من إعادة تشكيل قواعد الصراع في المنطقة
صنعاء – المنشر الإخباري
في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بحزب الله في لبنان، تتزايد داخل جماعة الحوثي في اليمن حالة من القلق السياسي والعسكري من احتمال انتقال المواجهة الإقليمية إلى مرحلة جديدة تقوم على ما يوصف بـ“تفكيك جبهات المحور الإيراني”، بحيث يتم التعامل مع كل ساحة بشكل منفصل بدلًا من الإطار المشترك الذي ظل يُشار إليه بمفهوم “وحدة الساحات”.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي شديد التعقيد، يتسم بتعدد بؤر التوتر، وتفاوت طبيعة الصراع بين لبنان واليمن وساحات أخرى مرتبطة بإيران، إلى جانب مؤشرات على تغيّر تدريجي في أساليب إدارة المواجهة.
تحذير الحوثي من إسقاط “وحدة الساحات”
في خطاب له، حذّر زعيم جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي من ما وصفه بمحاولات تستهدف “إسقاط معادلة وحدة الساحات”، معتبرًا أن ما يجري في لبنان من تصعيد ضد حزب الله قد لا يكون مجرد تطور معزول، بل جزء من مسار أوسع يعيد رسم شكل الصراع في المنطقة.
وأكد الحوثي أن استمرار الضغط العسكري على إحدى الجبهات دون ردود متوازنة من باقي الأطراف يمثل محاولة لفرض واقع جديد يقوم على “تفكيك الجبهات” والتعامل مع كل ساحة على حدة.
وأضاف أن هذا المسار، في حال استمراره، قد يقود إلى توسيع دائرة المواجهة بدلًا من احتوائها، مشددًا على أن جماعته تتابع هذه التحولات وتضع لها حساباتها.
كما أعاد التأكيد على رفض ما وصفه بـ“معادلة الاستباحة” التي تحاول إسرائيل فرضها ضد حزب الله دون كلفة مقابلة، على حد تعبيره، ملوّحًا بأن جماعته تمتلك “خيارات مؤثرة” في المرحلة المقبلة دون الكشف عن طبيعتها.
مخاوف من انتقال المواجهة إلى نمط الجبهات المنفصلة
تشير القراءات السياسية إلى أن هذا الخطاب الحوثي يعكس خشية متزايدة من تحول الاستراتيجية الإقليمية نحو نمط جديد يقوم على “الاستهداف المنفصل”، بحيث يتم التعامل مع كل ساحة من ساحات الصراع بشكل مستقل.
وبحسب هذه الرؤية، فإن هذا التحول يهدف إلى تقليل كلفة المواجهة وتجنب توسعها إقليميًا، عبر حصرها داخل نطاقات جغرافية محددة دون ربط مباشر بين لبنان واليمن وساحات أخرى.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى زيادة الضغط على كل طرف بشكل منفرد بدلًا من توزيعه على أكثر من جبهة.
انعكاسات التصعيد في لبنان على بقية الساحات
تتزامن هذه المخاوف مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، والتي تستهدف بنى ومواقع مرتبطة بحزب الله، في إطار مسار تصعيدي متواصل.
ويرى محللون أن طبيعة هذه العمليات تشير إلى محاولة لتقليص قدرة الحزب على إدارة المواجهة أو توسيعها، من خلال الضغط المباشر والمركّز على أهداف محددة داخل الساحة اللبنانية.
وفي المقابل، ينعكس هذا الوضع على بقية الأطراف المرتبطة بما يُعرف بالمحور الإقليمي، حيث تتزايد المخاوف من انتقال هذا النموذج إلى ساحات أخرى.
قراءة في خطاب الحوثي ومخاوف “العزلة”
يرى خبراء أن خطاب عبد الملك الحوثي لا يمكن فصله عن التغيرات الإقليمية الجارية، إذ يعكس إدراكًا داخل الجماعة لاحتمال فقدان حالة الترابط بين الجبهات المختلفة.
ويشير هذا الإدراك إلى أن فكرة “وحدة الساحات” التي تم الترويج لها خلال السنوات الماضية قد تواجه تحديات حقيقية في ظل تباين ظروف كل ساحة، سواء من حيث الجغرافيا أو القدرات أو طبيعة المواجهة.
كما يعكس الخطاب مخاوف من أن تتحول كل ساحة إلى ملف منفصل يخضع لحسابات مختلفة، ما قد يضعف قدرة الجماعات المرتبطة بإيران على التنسيق المشترك.
حزب الله تحت ضغط عسكري متصاعد
في لبنان، يواجه حزب الله تصعيدًا عسكريًا مستمرًا من الجانب الإسرائيلي، يتمثل في عمليات تستهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة به.
ويأتي هذا الضغط ضمن سياق يهدف إلى تغيير قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني، ومنع توسع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تقوم على إدارة الصراع بشكل تدريجي ومحدود، مع محاولة تقليل احتمالات الانفجار الواسع.
الحوثيون بين الخطاب السياسي والحسابات الميدانية
في اليمن، تبدو جماعة الحوثي في موقع حساس، إذ تجمع بين خطاب سياسي يركز على “وحدة الساحات” وبين واقع ميداني معقد يرتبط بتطورات البحر الأحمر والتوترات الإقليمية.
ويعتبر هذا التوازن عامل ضغط إضافي على الجماعة، خاصة في ظل احتمالات توسع المواجهة أو إعادة تعريف طبيعة الصراع في المنطقة.
كما أن أي تحول نحو “الاستهداف المنفصل” قد يضع الجماعة أمام تحديات أكبر في التعامل مع الضغوط العسكرية والسياسية بشكل مستقل.
إعادة تشكيل قواعد الصراع في المنطقة
تشير مجمل التطورات إلى أن المنطقة قد تكون بصدد مرحلة إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك، حيث يتم الانتقال تدريجيًا من نموذج الجبهات المتداخلة إلى نموذج أكثر تفصيلًا يعتمد على التعامل مع كل ساحة على حدة.
وفي هذا السياق، يبقى الجدل قائمًا حول ما إذا كان ما يحدث يمثل بداية تفكك في شبكة النفوذ المرتبطة بإيران، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي يتكيف مع المتغيرات الحالية.
بين التصعيد في لبنان، والتوتر في البحر الأحمر، والقلق داخل الخطاب الحوثي، تبقى المنطقة أمام عدة سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين استمرار إدارة الصراع بشكل منفصل في كل ساحة، أو عودة التنسيق الإقليمي، أو حدوث تصعيد أوسع يعيد خلط الأوراق من جديد.
لكن المؤكد أن فكرة “وحدة الساحات” أصبحت اليوم أمام اختبار حقيقي، في ظل تغيرات متسارعة تعيد تشكيل طبيعة الصراع في الشرق الأوسط.










