خطاب “أمريكا أولاً” يعمّق الخلافات بين واشنطن وحلفائها داخل الناتو
واشنطن – المنشر الإخبارى
في لحظة دولية تتسم باضطراب عميق في موازين القوة وتبدّل واضح في خرائط التحالفات التقليدية، تعود العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إلى دائرة الضوء، ولكن هذه المرة في سياق مختلف، تتداخل فيه التحولات السياسية داخل أوروبا مع تصاعد النزعة الانعزالية داخل التيار اليميني الأمريكي، المرتبط بخطاب الرئيس دونالد ترامب.
تصدعات الأطلسي.. تحالف تحت الضغط
منذ عودة خطاب “أمريكا أولاً”، دخلت العلاقة بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي مرحلة من التوترات المتكررة، خصوصًا في ظل انتقادات أمريكية متصاعدة للحلفاء الأوروبيين بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية.
وفي المقابل، لم تعد أوروبا في صورتها التقليدية كما كانت خلال التسعينيات أو بدايات الألفية الجديدة، إذ شهدت القارة صعودًا لافتًا لأحزاب يسارية واشتراكية في دول محورية مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، وهو ما أعاد تشكيل المزاج السياسي العام باتجاه أكثر حذرًا تجاه الانخراط في الحروب التي تقودها الولايات المتحدة.
إرث العراق.. الجرح الذي لم يلتئم
لا يمكن فهم هذا التحول دون العودة إلى حرب العراق عام 2003، التي شكّلت نقطة انعطاف حاسمة في العلاقات عبر الأطلسي.
فقد قاد المستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر موقفًا رافضًا للتدخل العسكري، بينما عارض الرئيس الفرنسي جاك شيراك الحرب داخل مجلس الأمن، ما أدى إلى أزمة سياسية حادة مع واشنطن.
وفي إسبانيا، ورغم دعم حكومة خوسيه ماريا أثنار للحرب، فإن المعارضة اليسارية بقيادة خوسيه لويس ثاباتيرو تمكنت من استثمار الغضب الشعبي ووصلت إلى الحكم لاحقًا، وسحبت القوات الإسبانية من العراق.
أما في بريطانيا، فقد أحدثت الحرب انقسامًا عميقًا داخل حزب العمال رغم دعم رئيس الوزراء توني بلير لها، ما أضعف الثقة داخل القاعدة اليسارية للحزب.
هذه المرحلة أسست لوعي أوروبي جديد أكثر تشككًا في التدخلات العسكرية الأحادية، وأكثر ميلًا للشرعية الدولية والعمل الجماعي متعدد الأطراف.
أوروبا بعد حرب إيران.. إعادة تموضع هادئ
في ظل التصعيد الأخير المرتبط بالحرب على إيران وتداعياتها الإقليمية، أبدت عدة عواصم أوروبية تحفظًا واضحًا تجاه أي انخراط مباشر في عمليات عسكرية تقودها واشنطن.
هذا الموقف لا يعكس فقط حسابات استراتيجية، بل أيضًا ضغوطًا داخلية متزايدة من قوى سياسية يسارية صاعدة ترى أن أي مغامرة عسكرية جديدة قد تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وتهدد الاستقرار العالمي بدل أن تعززه.
وفي هذا السياق، طُرحت مبادرات أوروبية لتشكيل تحالفات بحرية دولية تضم نحو 30 دولة بهدف تأمين الملاحة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، في مؤشر على رغبة أوروبية في لعب دور مستقل نسبيًا عن القيادة الأمريكية.
أوروبا تبحث عن استقلال أمني
تُظهر هذه التحولات أن أوروبا لم تعد تكتفي بدور “التابع الاستراتيجي” داخل المنظومة الأطلسية، بل بدأت تدريجيًا في إعادة تعريف دورها الأمني والسياسي، بما يسمح لها بتبني مقاربات أكثر استقلالية عن واشنطن.
هذا التوجه يعكس في جوهره محاولة لإعادة التوازن بين الالتزامات الأطلسية والمصالح الأوروبية الداخلية، خاصة في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه القارة.
اليمين الأمريكي بين العزلة والتراجع
في المقابل، يواجه التيار اليميني الأمريكي، وخاصة المرتبط بخطاب ترامب، حالة من التراجع في النفوذ داخل المشهد الغربي الأوسع.
فبينما تميل أوروبا نحو التعددية والتعاون الدولي، يتجه هذا التيار إلى الانكفاء على الداخل وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين ضفتي الأطلسي.
هذا التباين في الرؤى يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التحالف الغربي:
هل نحن أمام إعادة تشكيل عميقة للنظام الأطلسي؟
أم أن هذه التوترات ستبقى ضمن حدود الخلافات السياسية المؤقتة دون أن تصل إلى تفكك فعلي؟
في كل الأحوال، يبدو أن العلاقة بين واشنطن وأوروبا دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: إعادة التوازن بعد عقود من الهيمنة الأمريكية المطلقة على القرار الغربي.










